الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون [ ص: 313 ] تقدم مثل هاتين الآيتين في سورة البقرة وبين ما هنا وما هنالك فروق في التعبير نبينها هنا فنقول : .

( 1 ، 2 ) قال تعالى هنا : وإذ قيل لهم لأن القصة خطاب وجه أولا إلى أهل مكة فالحكاية فيه عن بني إسرائيل حكاية عن غائب ، والأصل أن يذكر ضميره فيه ; ولذلك قال : ( لهم ) وفي سورة البقرة : وإذ قلنا ( 2 : 58 ) والمعنى واحد ; إذ المعلوم أن القائل هو الله تعالى ، وقد روعي هنالك السياق ، وفي خطاب بني إسرائيل إذ قبلها : وإذ فرقنا بكم البحر ( 2 : 50 ) ، وإذ واعدنا موسى . . . . ( 2 : 51 ) فناسب أن يقول : وإذ قلنا ولم يقل فيها " لكم " كما قال هنا : ( لهم ) ; لأن القول كان لأجداد المخاطبين من ألوف السنين لا لهم أنفسهم ، ولم يقل : " لهم " أيضا ; لأن السياق لم يكن حكاية عن غائب مجهول يحتاج إلى تعيينه ، بل هو تذكير الخلف بما تقوم به عليهم الحجة من شئون السلف ; لأنهم وارثو أخلاقهم وغرائزهم وعاداتهم ، فهو إذن مشترك بين الخلف الحاضر والسلف الغابر ، وزيادة " لهم " تلصقه بالغائب وحده فتكون حكايته لبني إسرائيل كحكايته لعرب مكة وغيرهم ، فتأمل ! .

( 3 ) قال هاهنا : اسكنوا هذه القرية وفي سورة البقرة : ( ادخلوا ) والفائدة هاهنا أتم ; لأن السكنى تستلزم الدخول ولا عكس . وتظهر فائدة اختلاف التعبير في الفعلين بما يليها من العطف عليهما وهو : .

( 4 ، 5 ) قال هاهنا : وكلوا منها حيث شئتم وفي سورة البقرة فكلوا منها حيث شئتم رغدا ( 2 : 58 ) فعطف الأمر بالأكل هنالك بـ " الفاء " ; لأنه بدءه يكون عقب الدخول كأكل الفواكه والثمرات التي كانت توجد في كل ناحية من القرية - والسكنى أمر ممتد يكون الأكل في أثنائه لا عقبه ، بل لا يقال عقب السكنى إلا فيمن يترك هذه السكنى ; ولذلك عطف عليه هنا بـ " الواو " التي تفيد الجمع بين الأمرين مطلقا بلا ملاحظة ترتيب ولا تعقيب ، وقد وصف هنالك الأكل بالرغد وهو الواسع الهني ، والتبشير به يناسب حال الدخول ، إذ الأمر لدى الداخل مجهول .

( 6 ) قال هاهنا : وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا وقدم هنالك ما أخر هنا ، وأخر ما قدمه أي في الذكر ، وهو لا يدل على طلب ترتيب بين الأمرين ; لأن العطف فيه بالواو الدالة على طلب الأمرين مطلقا ، ولكن لو كان التعبير في الموضعين واحدا لفهم منه أن المقدم في الذكر أرجح أو أهم ولو في الجملة كما هي القاعدة في التقديم لذاته . فكان الاختلاف دالا على عدم الفرق بين تقديم هذا وتأخير ذلك وبين عكسه ; لأن المراد منهما لا يقتضي ترتيبا بين ما دلت عليه كلمة ( حطة ) وهو الدعاء بأن تحط عنهم أوزارهم [ ص: 314 ] وخطاياهم كقولك اللهم غفرا وبين دخول باب القرية في حال التلبس بالتواضع والخشوع لله تعالى وتنكيس الرؤوس شكرا لجلاله على نواله ، كما فعل النبي الأعظم ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما دخل مكة فاتحا .

( 7 ) قال هاهنا : نغفر لكم خطيئاتكم قرأ نافع وابن عامر ويعقوب ( تغفر ) بالتاء والفاء المفتوحة ورفع ( خطيئاتكم ) وهو يناسب وإذا قيل لهم وقرأ الجمهور ( نغفر ) بالنون وكسر الفاء ونصب " خطيئاتكم " بكسر تائها ، وهو يناسب ما بعده ، وهو كون " سنزيد " للمتكلم المعظم . والمعنى فيهما واحد ; لأن المخاطب الذي يغفر الذنوب واحد . وقرأ ابن عامر ( خطيئتكم ) بالإفراد . وهو بمعنى الجمع ; لأنه مضاف فيفيد العموم ، ولعل فيه إشارة إلى خطيئة خاصة مشتركة . وقرأ أبو عمرو ( خطاياكم ) وبها قرأ الجمهور في آية البقرة ، مع اختلافهم في فعل المغفرة كما هنا . وكتابة الكلمتين في المصحف الإمام تحتمل كل ما ذكر في الكلمتين ، وفائدة الاختلاف لفظية وهي التوسع في القراءة ، وقال القطب الشيرازي : إن فائدة الاختلاف بين قراءتي الإفراد والجمع للخطيئة أن هذه الذنوب تغفر لهم إذا فعلوا ما أمروا به من قول وفعل ، سواء كانت قليلة كواحدة أو كثيرة .

( 8 ) قال هاهنا : سنزيد المحسنين بدون واو على الاستئناف البياني ، وهو جواب سؤال كأنه قيل : وماذا بعد المغفرة ؟ أي سنزيد المحسنين في عملهم جزاء حسنا على إحسانهم ، وفي سورة البقرة : وسنزيد بالعطف . والمعنى واحد . وقد يكون طرح الواو أدل على كون هذه الزيادة تفضل محض ليس مشاركا للمغفرة فيما جعل سببا لها من الخضوع والسجود والاستغفار والدعاء بحط الأوزار .

( 9 ) قال هاهنا : فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم وفيه زيادة ( منهم ) على مثله من سورة البقرة ، وسببها ما تقدم نظيره في قوله تعالى : وإذ قيل لهم إلخ . من الحاجة إلى ذكر ضمير المحكي عنهم لربط الكلام ، وهذه الحاجة منتفية في سورة البقرة كما علمت من الفرق السابع آنفا ، وليس لزيادة البيان كما قيل ، بل هو الأصل هاهنا ، ولا حاجة إليه هنالك وإن كان حكاية عن الغائبين ; لأنه لم يخرج عن سياق مخاطبة خلفهم الحاضرين .

وأما معنى تبديلهم قولا غير الذي قيل لهم فقد تقدم بيانه في تفسير آية البقرة ، وملخصه أنهم عصوا بالقول والفعل ، وخالفوا الأمر مخالفة تامة لا تحتمل الاجتهاد ولا التأول ، فلم [ ص: 315 ] يراعوا ظاهر مدلول لفظه ، ولا فحواه والمقصد منه ، حتى كأن المطلوب منهم غير الذي قيل لهم ، ولو قال فبدلوا قولا بقول ، أو فبدلوا ما قيل لهم ، لم يدل على هذا المعنى كله .

ولا ثقة لنا بشيء مما روي في هذا التبديل من ألفاظ عبرانية ولا عربية ، فكله من الإسرائيليات الوضعية ، كما قاله الأستاذ الإمام هنالك . وإن خرج بعضه في الصحيح والسنن موقوفا ومرفوعا كحديث أبي هريرة المرفوع في الصحيحين وغيرهما " قيل لبني إسرائيل : وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا : حطة ، حبة في شعرة : " وفي رواية " شعيرة " رواه البخاري في تفسير السورتين من طريق همام بن منبه أخي وهب ، وهما صاحبا الغرائب في الإسرائيليات . ولم يصرح أبو هريرة بسماع هذا من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيحتمل أنه سمعه من كعب الأحبار إذ ثبت أنه روي عنه ، وهذا مدرك عدم اعتماد الأستاذ رحمه الله تعالى على مثل هذا من الإسرائيليات ، وإن صح سنده ، ولكن قلما يوجد في الصحيح المرفوع شيء يقتضي الطعن في سندها .

( 10 - 12 ) قال هاهنا : فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون وقال هنالك : فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ( 2 : 59 ) فالاختلاف في ثلاثة مواضع : .

( أولها ) بين الإرسال والإنزال وهو لفظي إذ الإرسال من فوق عين الإنزال : ( ثانيها ) بين المضمر ( عليهم ) والمظهر على الذين ظلموا والمراد منهما أن ذلك الرجز عذاب كان خاصا بالذين ظلموا لا عاما ، فحسن أن يقول في آية الأعراف : " عليهم " لتصريحه بسببية الظلم بعده ، ولو قال " فأرسلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يظلمون " لكان تكرار التعليل بالظلم منافيا للبلاغة ، وهذا التكرار منتف في آية البقرة لأن ; التعليل فيها بالفسق لا الظلم : .

( ثالثها ) بين ( يظلمون ) و ( يفسقون ) وفائدته : بيان أنهم كانوا جامعين بين الظلم الذي هو نقص للحق أو إيذاء للنفس أو للغير ، وبين الفسق الذي هو الخروج عن الطاعة ، ولو في غير الظلم للنفس أو للناس . وحسن أن تكون هذه الزيادة في آية البقرة ; لأنها نزلت آخرا . والرجز : العذاب الذي تضطرب له القلوب أو يضطرب له الناس في شئونهم ومعايشهم كما تقدم تحقيقه في تفسير الآية 134 من هذه السورة ، وذكرنا فيها قول المفسرين : إن الرجز الذي أرسله الله على الظالمين في قصة دخول القرية هو الطاعون ، وأنه جائز ، ولكن لم يثبت بنقل صحيح ، وقد عزاه بعض المفسرين إلى وهب بن منبه .

إن الله تعالى أنزل القرآن هدى وموعظة ، وجعل قصص الرسل فيه عبرة وتذكرة لا تاريخ شعوب ومدائن ، ولا تحقيق وقائع ومواقع . والعبرة في هذه القصة أن نتقي الظلم [ ص: 316 ] والفسق . ونعلم أن الله يعاقب الأمم على ذنوبها في الدنيا قبل الآخرة ، وأنه قد عاقب بني إسرائيل بظلمهم ، ولم يحل دون عقابه ، ما كان لهم من المزايا والفضائل ، وكثرة وجود الأنبياء فيهم . ومنه السياق الآتي : .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث