الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب السعي بين الصفا والمروة

عن عروة عن عائشة إن الصفا والمروة من شعائر الله قالت كان رجال من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم بين مكة والمدينة قالوا يا نبي الله إنا كنا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما ؟ فأنزل الله عز وجل إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ذكر المزي في الأطراف أن البخاري ذكره تعليقا ولم أره فيه.

وقد اتفق الشيخان عليه من وجه آخر عن عروة سألت عائشة فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة ، قالت بئس ما قلت يا ابن أختي إن هذه الآية لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه ألا يطوف بهما ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل فكان من أهل يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله قالت عائشة وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما لفظ البخاري

التالي السابق


(باب السعي بين الصفا والمروة)

عن عروة عن عائشة رضي الله عنها إن الصفا والمروة من شعائر الله قالت كان رجال من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم بين مكة والمدينة قالوا يا نبي الله إنا كنا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة فهل [ ص: 103 ] علينا من حرج أن نطوف بهما ؟ فأنزل الله عز وجل إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما .

(فيه) فوائد:

(الأولى) ذكره البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به فقال وقال معمر به وأخرجه البخاري والنسائي من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال عروة سألت عائشة فقلت لها أرأيت قول الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة . قالت بئس ما قلت يا ابن أختي إن هذه الآية لو كانت كما أولتها عليه لكانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة فلما أسلموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالوا يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف [ ص: 104 ] بين الصفا والمروة فأنزل الله إن الصفا والمروة من شعائر الله الآية. قالت عائشة وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما . اتفق عليه الشيخان والترمذي والنسائي من طريق سفيان بن عيينة وأخرجه مسلم من رواية عقيل بن خالد . ومن رواية يونس بن يزيد كلهم عن الزهري ولفظ ابن عيينة وعقيل بنحو لفظ شعيب ولفظ يونس عن ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة وكان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة وأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك حين أسلموا فأنزل الله في ذلك إن الصفا والمروة من شعائر الله الآية .

وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي من طريق مالك ومسلم وابن ماجه من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة ومسلم وحده من رواية أبي معاوية ثلاثتهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة .

(الثانية) الصفا والمروة جبلا السعي اللذان يسعى من أحدهما إلى الآخر والصفا في الأصل جمع صفاة وهي الصخرة والحجر الأملس والمروة في الأصل حجر أبيض براق وقيل هي الحجارة التي تقدح منها النار.

(الثالثة) قال الأزهري الشعائر المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها وقال في النهاية شعائر الحج آثاره وعلاماته جمع شعيرة وقيل هو كل ما كان من أعماله كالوقوف والطواف والسعي والرمي والذبح وغير ذلك وقال في الصحاح الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علما لطاعة الله قال الأصمعي الواحد شعيرة قال وقال بعضهم شعارة والمشاعر مواضع المناسك.

(الرابعة) استدل عروة بن الزبير بهذه الآية الكريمة على أن السعي ليس بواجب لأنها دلت على رفع الجناح وهو الإثم عن فاعله وذلك يدل على إباحته ولو كان واجبا لما قيل فيه مثل هذا وردت عليه عائشة رضي الله عنها بأنها إنما كانت تدل على الإباحة لو كان لفظها فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما فإنها حينئذ كانت تدل على رفع الإثم عن تاركه وذلك حقيقة المباح بل هي ساكتة عن الوجوب وعدمه ويستفاد الوجوب من دليل آخر والحكمة في التعبير بنفي الإثم المطابقة لجواب سؤال الأنصار عن ذلك هل فيه إثم [ ص: 105 ] فأجيبوا بأنه لا إثم فيه: قال النووي في شرح مسلم قال العلماء هذا من دقيق علمها وفهمها الثاقب، وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ.

قال وقد يكون الفعل واجبا ويعتقد إنسان إنه يمتنع إيقاعه على صفة مخصوصة وذلك كمن عليه صلاة الظهر وظن أنه لا يجوز فعلها عند غروب الشمس فسأل عن ذلك فيقال في جوابه لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت فيكون جوابا صحيحا ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر انتهى.

وقد استدل على الوجوب بأمور:

(أحدها) ما رواه الشافعي وأحمد في مسنده والدارقطني والبيهقي وغيرهم من رواية صفية بنت شيبة قالت أخبرتني ابنة أبي تجراة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي . ورواه الدارقطني والبيهقي أيضا من رواية صفية بنت شيبة عن نسوة من بني عبد الدار أنهن سمعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استقبل الناس في المسعى وقال يا أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم .

وذكر النووي في شرح المهذب في أول كلامه الطريق الأول وقال ليس بقوي وإسناده ضعيف قال ابن عبد البر في الاستيعاب فيه اضطراب ثم ذكر الطريق الثاني في آخر كلامه وقال إسناده حسن فعد ذلك شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي في المهمات تناقضا وقال اختلف فيه النووي وجوابه أن ذلك باعتبار طريقين فإن في الأول عبد الله بن المؤمل وليس في الثاني فلذلك ضعف الأول وحسن الثاني قال ابن المنذر في الإشراف إن ثبت حديث بنت أبي تجراة وجب فرض السعي، وإن لم يثبت فلا أعلم دلالة توجبه. والذي رواه عبد الله بن المؤمل وقد تكلموا في حديثه ا هـ وقد أشار الإسنوي في بقية كلامه لذلك فقال وحسنه أيضا الشيخ زكي الدين في كلامه على أحاديث المهذب إلا أن الحديث المذكور روي بإسنادين انتهى ومع ذلك ففي جعلهما طريقين وتضعيف الأول وتحسين الثاني نظر فهو حديث واحد مداره على صفية بنت شيبة وقع الاختلاف فيه وقد سلك ذلك البيهقي وغيره.

وتقدم قول ابن عبد البر إن فيه اضطرابا لكنه قال في الاستذكار اضطرب فيه غير الشافعي وأبي نعيم الفضل بن دكين على عبد الله بن المؤمل وجودوا إسناده ومعناه وقد رواه معه [ ص: 106 ] ابن المؤمل غيره وابن المؤمل لم يطعن عليه أحد إلا من سوء حفظه ولم يخالفه فيه غيره فيتبين فيه سوء حفظه.

قال الشافعي رحمه الله وهذا عندنا والله أعلم على إيجاب السعي بين الصفا والمروة من قبل أن هذا الحديث لا يحتمل إلا السعي بينهما أو السعي في بطن الوادي فإذا وجب السعي في بطن الوادي وهو بعض العمل وجب في كله انتهى.

(الثاني) استدل البيهقي على ذلك بحديث عائشة هذا وقولها فيه ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما وبقولها فيه أيضا في صحيح مسلم ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة .

(الثالث) استدل البيهقي وابن عبد البر والنووي وغيرهم على ذلك أيضا بكونه عليه الصلاة والسلام كان يسعى بينهما في حجه وعمرته وقال خذوا عنى مناسككم .

(الرابع) واستدل البيهقي على ذلك أيضا بما في صحيح البخاري عن عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر عن رجل قدم بعمرة فطاف بالبيت ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته : فقال قدم النبي صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وطاف بالصفا والمروة سبعا وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة .

وقال عمرو (سألنا جابرا فقال لا يقر بها حتى يطوف بين الصفا والمروة ).

(الخامس) استدل ابن حزم على ذلك بما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال: حججت ؟ فقلت نعم، فقال بم أهللت، فقلت لبيك بإهلال كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال قد أحسنت، طف بالبيت وبين الصفا والمروة وأحل .

قال ابن حزم بهذا صار السعي بين الصفا والمروة في العمرة فرضا وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:

(أحدها) أنه ركن في الحج لا يصح إلا به وكذلك في العمرة وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه وحكاه النووي عن جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عائشة رضي الله عنها، وعن مجاهد وإبراهيم النخعي أنهما قالا: إذا أنسي الطواف بين الصفا والمروة وهو حاج فعليه الحج فإن كان معتمرا فعليه العمرة ولا يجزيه إلا الطواف بينهما وحكاه [ ص: 107 ] ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه وأبي ثور وقال به ابن حزم الظاهري .

(الثاني) أنه واجب ويجبر تركه بالدم ويصح الحج والعمرة بدونه وهذا مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد وذكر النووي أنه الأصح عنه ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وحكاه ابن المنذر عن قتادة وسفيان الثوري وحكى ابن عبد البر عن الثوري أنه إن نسيه حتى رجع إلى بلده أجزأه دم وعن أبي حنيفة وصاحبيه إن تركه عمدا أو نسيانا فعليه دم وذكر صاحب الهداية من الحنفية أن (لا جناح) يستعمل مثله للإباحة فينفي الركنية والإيجاب إلا أنا عدلنا عنه في الإيجاب ولأن الركنية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به ولم يوجد.

ثم معنى ما روي كتب استحبابا كما في قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت الآية انتهى.

(فإن قلت) قد قال أولا بالوجوب فكيف قال آخرا بالاستحباب ؟ (قلت) لم يقل آخرا بالاستحباب وإنما قال إن مثل هذه الصيغة وهي كتب تستعمل في الاستحباب كما في الآية التي استشهد بها ثم هو منازع فيما ذكره في هذه الآية بل هي على بابها من الوجوب وكانت قبل نزول آية المواريث ثم نسخت بها كما هو مقرر في التفسير والله أعلم.

(الثالث) أنه سنة ليس بركن ولا واجب وهو رواية عن أحمد ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه قال إن شاء سعى وإن شاء لم يسع وعن عطاء أنه كان لا يرى على من لم يسع شيئا، قيل له قد ترك شيئا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس عليه.

وكان يفتي في العلانية بدم وقال ابن المنذر كان أنس بن مالك وعبد الله بن الزبير وابن سيرين يقولون هو تطوع، وقد روينا أن في مصحف أبي بن كعب وابن مسعود (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) وحكى ابن حزم أن ابن عباس كان يقرأ (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) ثم قال هذا قول من ابن عباس لا إدخال منه في القرآن ثم حكى ابن حزم هذه القراءة عن أنس قال وهو قول عطاء ومجاهد وميمون بن مهران وروى البيهقي في المعرفة هذه القراءة عن ابن عباس وأنه قال فنسختها هذه الآية ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه فلما نزلت طافوا [ ص: 108 ] بين الصفا والمروة ، قال البيهقي وهذه الرواية إن صحت تدل على أن الأمر فيه صار إلى الوجوب.

(الرابع) أن على من ترك السعي أن يأتي بعمرة رواه ابن أبي شيبة عن طاوس وحكاه عنه أيضا ابن المنذر .

(الخامس) أنه إن ترك من السعي أربعة أشواط فعليه دم وإن ترك دونها لزم لكل شوط نصف صاع حكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي وحكاه الدارمي من أصحابنا عن أبي حنيفة قال وحكى ابن القطان عن أبي علي قولا كمذهب أبي حنيفة قال النووي في شرح المهذب وهذا القول شاذ غلط وذكر النووي أيضا أن ابن المنذر حكى هذا عن طاوس وإنما رأيته حكى عن طاوس القول الذي قبله وحكى هذا عن أصحاب الرأي كما تقدم وكأنه سقط من نسخة النووي هنا شيء وقال ابن المنذر واختلف عن عطاء فروي عنه أنه لا شيء على من تركه وروي عنه أنه قال عليه دم وروي عنه أنه قال يطعم مساكين أو يذبح شاة يطعمها المساكين انتهى وهذه الرواية الأخيرة عن عطاء قول سادس واعلم أن ابن العربي في شرح الترمذي حكى إجماع الأمة على أن السعي ركن في العمرة وجعل الخلاف في الحج فقط ولم أر لغيره تعرضا لذلك ويخالفه صريحا كلام ابن حزم فإنه حكى الخلاف في العمرة وحكى عن ابن عباس أنه قال العمرة الطواف بالبيت وكذلك ابن عبد البر حكى الخلاف عن أبي حنيفة وصاحبيه في الحج والعمرة.

(الخامسة) مناة بفتح الميم والنون فسره في الحديث بأنه صنم بين مكة والمدينة وفي رواية أخرى في الصحيح لمناة الطاغية التي بالمشلل وهو بالشين المعجمة وفتح اللام وتشديدها وآخره لام أيضا وهو صنم كان نصبه عمرو بن لحي بجهة البحر بالمشلل مما يلي قديدا وقال ابن الكلبي مناة صخرة لهذيل بقديد وفي صحيح مسلم عن طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما إساف ونائلة قال القاضي عياض كذا وقع في هذه الرواية وهو غلط والصواب ما تقدم وإساف ونائلة لم يكونا قط في ناحية البحر وإنما كانا فيما يقال رجلا وامرأة قيل كانا من خيرهم فزنيا داخل الكعبة فمسخهما الله حجرين فنصبا عند الكعبة وقيل على الصفا والمروة لتعتبر الناس بهما ويتعظوا [ ص: 109 ] ثم حولهما قصي بن كلاب فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر بزمزم وقيل جعلهما بزمزم ونحر عندهما وأمر بعبادتهما فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة كسرهما .

(السادسة) في رواية المصنف رحمه الله أن الأنصار إنما توقفوا في الطواف بين الصفا والمروة لأنهم كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية تعظيما لمناة فخشوا أن يكون ذلك من أمر الجاهلية الذي أبطله الشرع ويخالفه بقية الروايات عن الزهري فإنها متفقة على أن المهلين لمناة لم يكونوا يطوفون بين الصفا والمروة فاستمروا في الإسلام على ما اعتادوه في الجاهلية حتى سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ومن أصرحها في ذلك رواية سفيان بن عيينة فإن لفظها وإنما كان من أهل لمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة فلما كان الإسلام سألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك .

ورواية يونس فإن لفظها إن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة الطاغية فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة وكان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة .

والروايات عن هشام بن عروة في ذلك مختلفة أيضا فرواية أبي معاوية عنه وافق رواية المصنف ولفظها إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما إساف ونائلة ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة ثم يحلقون فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية .

ورواية أبي أسامة تخالفها ولفظها إنما أنزل الله هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلوا أهلوا لمناة في الجاهلية فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة .

ومثلها في ذلك لفظ رواية مالك فهي كرواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري التي سقتها في الفائدة الأولى وهذا تناف يبعد الجمع معه ولعل الروايات بتركهم الطواف بينهما في الجاهلية أرجح ولعلهم فريقان كان بعضهم يطوف بينهما وبعضهم لا يفعله فخرج الفريقان من ذلك الطائفون لكونه كان من أمرهم في الجاهلية والتاركون تمسكا بعادتهم.

وفي صحيح البخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال إن هذا العلم ما كنت سمعته ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون [ ص: 110 ] أن الناس إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل لمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة فلما ذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا يا رسول الله كنا نطوف بالصفا والمروة وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة ؟ فأنزل الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله الآية.

قال أبو بكر فاسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كلاهما في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة والذين كانوا يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت وفي الصحيح أيضا من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري قريب منه

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث