الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية السابعة والأربعون قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الآية السابعة والأربعون قوله تعالى { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } .

فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى : في سبب نزولها : وفيها أقوال كثيرة جماعها أربعة :

الأول : أنها نزلت في قوم أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم ليعلموا الناس القرآن والإسلام ، فلما نزل ما كان لأهل المدينة رجع أولئك فأنزل الله عذرهم ; قاله مجاهد .

وقال : هلا جاء بعضهم وبقي على التعليم البعض .

[ ص: 602 ] الثاني : قال ابن عباس : معناه ما كان المؤمنون لينفروا جميعا ، ويتركوا نبيهم ، ولكن يخرج بعضهم ، ويبقى البعض فيما ينزل من القرآن ، ويجري من العلم والأحكام ، يعلمه المتخلف للساري عند رجوعه ، وقاله قتادة .

الثالث : قال ابن عباس أيضا : إنها نزلت في الجهاد ، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أجدبت بلادهم ، فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ، ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون ، فضيقوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم ، فأنزل الله يخبر رسوله أنهم ليسوا بمؤمنين ، فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عشائرهم ، وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم ، فذلك قوله : { ولينذروا قومهم } .

الرابع : روي عن ابن عباس أنه قال : نسختها : { انفروا خفافا وثقالا } .

المسألة الثانية : في تحرير الأقوال : أما نسخ بعض هذه لبعض فيفتقر إلى معرفة التاريخ فيها .

وأما الظاهر فنسخ الاستنفار العام ; لأنه الطارئ ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغزو في فئام من الناس ، ولم يستوف قط جميع الناس ، إلا في غزوة العسرة .

وقد قيل : إنه يخرج من القول الأول أن الخروج في طلب العلم لا يلزم الأعيان ، وإنما هو على الكفاية .

قال القاضي : إنما يقتضي ظاهر هذه الآية الحث على طلب العلم والندب إليه دون الإلزام والوجوب ، واستحباب الرحلة فيه وفضلها .

فأما الوجوب فليس في قوة الكلام ; وإنما لزم طلب العلم بأدلته ; فأما معرفة الله فبأوامر القرآن وإجماع الأمة .

وأما معرفة الرسول فلوجوب الأمر بالتصديق به ، ولا يصح التصديق إلا بعد العلم .

[ ص: 603 ] وأما معرفة الوظائف فلأن ما ثبت وجوبه ثبت وجوب العلم به لاستحالة أدائها إلا بعلم ، ثم ينشأ على هذا أن المزيد على الوظائف مما فيه القيام بوظائف الشريعة كتحصين الحقوق وإقامة الحدود ، والفصل بين الخصوم ونحوه من فروض الكفاية ; إذ لا يصح أن يعلمه جميع الناس ، فتضيع أحوالهم وأحوال سواهم ، وينقص أو يبطل معاشهم ، فتعين بين الحالين أن يقوم به البعض من غير تعيين ، وذلك بحسب ما ييسر الله العباد له ، ويقسمه بينهم من رحمته وحكمته بسابق قدرته وكلمته ، ويأتي تحقيقه في موضعه إن شاء الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث