الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول الله عز وجل وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر

التالي السابق


أي : هذا باب في بيان تفسير قول الله تعالى : وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية قوله : وأما عاد عطف على ما قبله وهو قوله : فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وقصة عاد مرت في الباب السابق ، وقد فسر البخاري الصرصر بقوله شديدة عاتية ، وعاتية من عتا يعتو عتوا إذا جاوز الحد في الشيء ، ومنه العاتي وهو الذي جاوز الحد في الاستكبار ، قوله : " قال ابن عيينة " : أي سفيان بن عيينة عتت أي الريح على الخزان بضم الخاء جمع خازن ، وهم الملائكة الموكلون بالريح ، يعني عتت عليهم فلم تطعهم ، وجاوزت المقدار ، وقيل : عتت على خزانها فخرجت بلا كيل ولا وزن ، وعن عباس قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " ما أرسل الله تعالى نسمة من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم عاد ، ويوم نوح طغت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل " ، وقيل : الصرصر شديد الصوت لها صرصرة ، وقيل : ريح صرصر باردة من الصر كأنها التي كرر فيها البرد وكثر فهي تحرق بشدة بردها .

قوله : سخرها يعني أرسلها وسلطها عليهم ، والتسخير استعمال الشيء بالاقتدار ، قوله : حسوما فسره البخاري بقوله متتابعة ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وقال الضحاك : كاملة لم تفتر عنهم حتى أفنتهم ، وقال عطية : حسوما كأنها حسمت الخبر عن أهلها ، وقال الخليل : قطعا لدابرهم ، والحسم القطع والمنع ، ومنه حسم الرضاع ، وقال النضر بن شميل : حسمهم قطعهم ، وانتصاب حسوما على الحال ، قال الزمخشري : الحسوم إما جمع حاسم كشهود جمع شاهد ، وإما مصدر كالكفور والشكور ، فإن كان جمعا يكون حالا يعني حاسمة ، وإن كان مصدرا يكون منصوبا بفعل مضمر : أي يحسم حسوما بمعنى يستأصل استئصالا ، أو يكون صفة كقولك : ذات حسوم ، أو يكون مفعولا له : أي سخرها عليهم للاستئصال [ ص: 228 ] قوله : فترى القوم فيها أي في تلك الأيام والليالي ، وقيل : في الريح ، وقيل : في بيوتهم ، قوله : صرعى جمع صريع ، يعني ساقطة ، قوله : كأنهم أعجاز نخل أي جذوع نخل ، وقيل : أصول نخل ، وهو ما يبقى على المكان بعد قطع الجذع ، قوله : خاوية أي ساقطة ، وشبههم بأعجاز نخل لعظم أجسامهم ، قيل : كان طولهم اثني عشر ذراعا .

وقال أبو حمزة : طول كل رجل منهم كان سبعين ذراعا ، وعن ابن عباس ثمانين ذراعا ، وقال ابن الكلبي : كان أطولهم مائة ذراع ، وأقصرهم ستين ذراعا ، وقال وهب بن منبه : كان رأس أحدهم مثل القبة العظيمة ، وكان عين الرجل تفرخ فيها السباع ، وكذلك مناخرهم ، وقيل : خاوية خالية الأصوات من الحياة ، وقيل : خاوية من الأحشاء ; لأن الريح أخرجت ما في بطونهم .

قوله : فهل ترى لهم من باقية أي من بقية أو من نفس باقية ، وقيل : الباقية مصدر كالعاقبة : أي فهل ترى لهم من بقاء .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث