الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون

جزء التالي صفحة
السابق

أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون

أولئك غرضهم الزينة والتفاخر كما قال تعالى: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته [ ص: 3683 ]

هؤلاء نالوا متعتهم ولم يعملوا لآخرتهم فليس لهم فيها إلا النار يصطلونها; لأن طالب الدنيا وحدها لا يناله إلا الشر فهو يعتدي ولا يعرف حق غيره، ويكفر بالله ويعبد الأوثان، فهو لا يؤمن إلا بما يلمسه بين يديه وكل ذلك إلى النار، وإن طلب المتعة الدنيوية ذاتها أو طلب زينتها لا يؤدي إلى النار، إنما الذي يؤدي إلى النار هو ما يقترن بطلب الدنيا وزخارفها من عدم الوقوف عند حد المباح من الطيبات، بل يكون الاعتداء والتطاول والشرك وإن هذا مآله النار، وقد قال تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نـزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب وفي قوله تعالى: وحبط ما صنعوا فيها أي: فسد ما صنعوا.

والحبط أن يكون فساد العمل أو الشيء من ذاته وليس من أمر خارج عنه، ويقول الراغب الأصفهاني في مفرداته، أصل الحبط من الحبط وهو أن تأكل الدابة حتى تنتفخ بطنها.

والحبط فساد الأمر من ذاته لا من أثر خارج عنه كما أشرنا، وقد قال الراغب رضي الله عنه في المفردات أيضا: " حبط العمل عن ثلاثة أضرب:

أحدها: أن تكون الأعمال دنيوية لا تغني في القيامة عنا كما قال تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا

والثاني: أن تكون أعمالا أخروية في ظاهرها لكن لم يقصد بها صاحبها وجه الله تعالى، فإنه يؤتى بصاحبها يوم القيامة فيؤمر به إلى النار.

والثالث: أن تكون أعمالا صالحة ولكن بإزائها سيئات وهو ما يشار إليه بخفة الميزان.

وإن أولئك الذين قال فيهم سبحانه: وحبط ما صنعوا فيها هم الذين ما نظروا إلا إلى الدنيا وزينتها ولم يفكروا في الآخرة; لأنهم لا يؤمنون بالبعث ولقاء الله تعالى، وما كانوا يصنعون المعروف إلا للرياء والسمعة فكانوا مشركين. [ ص: 3684 ]

وقوله تعالى: ما صنعوا يفيد صنائع المعروف التي حبطت لأنهم لم تكن لهم فيه نيات حسنة، والأعمال في ثوابها بالنيات ومقاصد الخير ولم تكن لهم نيات صالحة. وختم سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله تعالى: وباطل ما كانوا يعملون أي: كل عمل عملوا قد صار باطلا، كقوله تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ذلك أن قلوبهم قد فسدت بالشرك فلم يكن لهم خير يحمدون عليه.

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث