الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك

[ ص: 92 ] تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين استئناف أريد منه الامتنان على النبي - صلى الله عليه وسلم - والموعظة والتسلية .

فالامتنان من قوله : ما كنت تعلمها

والموعظة من قوله : فاصبر إلخ .

والتسلية من قوله : إن العاقبة للمتقين

والإشارة بـ ( تلك ) إلى ما تقدم من خبر نوح - عليه السلام - وتأنيث اسم الإشارة بتأويل أن المشار إليه القصة .

والأنباء : جمع نبأ ، وهو الخبر . وأنباء الغيب الأخبار المغيبة عن الناس أو عن فريق منهم . فهذه الأنباء مغيبة بالنسبة إلى العرب كلهم لعدم علمهم بأكثر من مجملاتها ، وهي أنه قد كان في الزمن الغابر نبي يقال له : نوح - عليه السلام - أصاب قومه طوفان ، وما عدا ذلك فهو غيب كما أشار إليه قوله : ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ، فإنهم لم ينكروا ذلك ولم يدعوا علمه . على أن فيها ما هو غيب بالنسبة إلى جميع الأمم مثل قصة ابن نوح الرابع وعصيانه أباه وإصابته بالغرق ، ومثل كلام الرب مع نوح - عليه السلام - عند هبوطه من السفينة ، ومثل سخرية قومه به وهو يصنع الفلك ، وما دار بين نوح - عليه السلام - وقومه من المحاورة ، فإن ذلك كله مما لم يذكر في كتب أهل الكتاب .

وجمل من أنباء الغيب ونوحيها و ما كنت تعلمها أخبار عن اسم الإشارة ، أو بعضها خبر وبعضها حال . وضمير أنت تصريح بالضمير المستتر في قوله : تعلمها لتصحيح العطف عليه .

[ ص: 93 ] وعطف ولا قومك من الترقي ؛ لأن في قومه من خالط أهل الكتاب ومن كان يقرأ ويكتب ولا يعلم أحد منهم كثيرا مما أوحي إليه من هذه القصة .

والإشارة بقوله : من قبل هذا إما إلى القرآن ، وإما إلى الوقت باعتبار ما في هذه القصة من الزيادة على ما ذكر في أمثالها مما تقدم نزوله عليها ، وإما إلى تلك بتأويل النبأ ، فيكون التذكير بعد التأنيث شبيها بالالتفات .

ووجه تفريع أمر الرسول بالصبر على هذه القصة أن فيها قياس حاله مع قومه على حال نوح - عليه السلام - مع قومه ، فكما صبر نوح - عليه السلام - فكانت العاقبة له كذلك تكون العاقبة لك على قومك . وخبر نوح - عليه السلام - مستفاد مما حكي من مقاومة قومه ومن ثباته على دعوتهم ؛ لأن ذلك الثبات مع تلك المقاومة من مسمى الصبر .

وجملة إن العاقبة للمتقين علة للصبر المأمور به ، أي اصبر لأن داعي الصبر قائم وهو أن العاقبة الحسنة تكون للمتقين ، فستكون لك وللمؤمنين معك .

والعاقبة : الحالة التي تعقب حالة أخرى . وقد شاعت عند الإطلاق في حالة الخير كقوله : والعاقبة للتقوى

والتعريف في العاقبة للجنس .

واللام في للمتقين للاختصاص والملك ، فيقتضي ملك المتقين لجنس العاقبة الحسنة ، فهي ثابتة لهم لا تفوتهم وهي منتفية عن أضدادهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث