الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الصحيح الزائد على الصحيحين


29 - وخذ زيادة الصحيح إذ تنص صحته أو من مصنف يخص      30 - بجمعه نحو ابن حبان الزكي
وابن خزيمة وكالمستدرك      31 - على تساهل وقال ما انفرد
به فذاك حسن ما لم يرد      32 - بعلة والحق أن يحكم بما
يليق والبستي يداني الحاكما

[ ص: 53 ] ( وخذ ) أيها الطالب بعدما تقرر لك أن الشيخين لم يستوعباه ( زيادة الصحيح ) المشتمل على شرطيهما وغيره مما حكم له بالصحة ( إذ ) أي حيث ( تنص صحته ) من إمام معتمد ; كأبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، والدارقطني ، والخطابي ، والبيهقي ، وغيرهم من أصحاب الكتب الشهيرة فيها ، وكذا في غيرها ، إذا صح الطريق إليهم .

كما إذا وجد ذلك عن يحيى بن سعيد القطان وابن معين وغيرهما ، ممن لم يشتهر لهم تصنيف ، خلافا لابن الصلاح فيما عدا الكتب الشهيرة ، بناء على مذهبه من عدم إمكان التصحيح في الأزمان المتأخرة ; لاستلزامه الحكم على السند الموصل إليهم بالصحة .

وما وقع في كلام النووي - رحمه الله - من التقييد بالتصانيف تبعا لابن الصلاح ، كأنه للاكتفاء مما صححه بعد من الإمكان ، ثم إنه لا انحصار لأخذ الزيادة فيما سبق ، بل تؤخذ إما منه ( أو من مصنف ) بفتح النون ( يخص بجمعه ) أي : الصحيح بمقتضى ما عند مصنفه .

( نحو ) صحيح أبي حاتم ( ابن حبان ) بكسر المهملة ثم موحدة ، محمد التميمي البستي الشافعي الحافظ الفقيه القاضي ( الزكي ) أي : الزاكي ، لنموه عند غير واحد من الأئمة كالخطيب ، فإنه قال : كان ثقة ثبتا فاضلا فهما .

وقال الحاكم : ( كان من أوعية العلم في الفقه ، واللغة والحديث ، والوعظ ، ومن عقلاء الرجال ، واسم مصنفه " التقاسيم والأنواع " .

( و ) نحو صحيح إمام الأئمة أبي بكر ( ابن خزيمة ) بمعجمتين أولاهما مضمومة وبالصرف وتركه هنا ، واسمه : محمد بن إسحاق السلمي النيسابوري الفقيه الشافعي ، شيخ ابن حبان القائل فيه : ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ، [ ص: 54 ] ويحفظ ألفاظها الصحاح وزيادتها ، حتى كأن السنن كلها بين عينيه ، غيره ، وأخر عنه مع تقدمه ; لكون صحيحه عدم أكثره ، بخلاف صحيح ابن حبان ، فهو موجود بتمامه .

( وكالمستدرك ) على الصحيحين مما فاتهما للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله الضبي النيسابوري الحافظ الثقة ( على تساهل ) منه فيه ، بإدخاله فيه عدة موضوعات ، حمله على تصحيحها ; إما التعصب لما رمي به من التشيع ، وإما غيره ، فضلا عن الضعيف وغيره .

بل يقال : إن السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره ، وقد حصلت له غفلة وتغير ، أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه ، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جدا بالنسبة لباقيه ، فإنه وجد عنده : " إلى هنا انتهى إملاء الحاكم " .

وقول أبي سعد الماليني : " إنه طالعه بتمامه ، فلم ير فيه حديثا على شرطهما " - غير مرضي ، نعم هو معروف عند أهل العلم بالتساهل في التصحيح ، والمشاهدة تدل عليه .

( و ) لذلك ( قال ) ابن الصلاح ما حاصله : ( ما انفرد ) الحاكم ( به ) أي : بتصحيحه ; ليخرج ما شاركه غيره في تصحيحه ، وكذا ما خرجه فقط غير [ ص: 55 ] مصحح له ( فذاك حسن ما لم يرد ) للقدح فيه ( بـ ) ظهور ( علة ) أي : لا ما يقتضي الرد .

هذا ما مشى عليه النووي والبدر بن جماعة في اختصارهما ابن الصلاح ، والموجود في نسخة : " إن لم يكن [ من قبيل الصحيح ، فهو من قبيل الحسن يحتج به " ، وظاهره عدم الحصر في أحدهما ، وأنه جعل ما لم يكن مردودا ] من أحاديثه دائرا بين الصحة والحسن احتياطا .

وحينئذ فلم يتحكم بغير دليل ، نعم جر سده باب التصحيح إلى عدم تمييز أحدهما من الآخر ; لاشتراكهما كما صرح به في الحجية .

( والحق ) كما أرشد إليه البدر بن جماعة ( أن ) يتتبع الكتاب ويكشف عن أحاديثه و ( يحكم ) بسكون الميم - لغة - أي : يقضى على كل منها ( بما يليق ) به من الصحة أو الحسن أو الضعف .

ثم إن السبب في تخصيص الحاكم عن غيره ممن ذكر ، بالتصريح بذلك - مزيد تساهله ( و ) إلا فابن حبان ( البستي ) وهو بضم الموحدة وإسكان المهملة وبعدها مثناة فوقانية نسبة لمدينة من بلاد كابل بين هراة وغزنة ، وصف بأنه ( يداني ) أي : يقارب ( الحاكما ) في التساهل [ وذلك يقتضي النظر في أحاديثه [ ص: 56 ] أيضا ; لأنه غير متقيد بالمعدلين ، بل ربما يخرج للمجهولين ، لا سيما ومذهبه إدراج الحسن في الصحيح ، مع أن شيخنا قد نازع في نسبته إلى التساهل ، إلا من هذه الحيثية .

وعبارته : إن كانت باعتبار وجدان الحسن في كتابه ، فهي مشاحة في الاصطلاح ; لأنه يسميه صحيحا ، وإن كانت باعتبار خفة شروطه ، فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس ، سمع ممن فوقه وسمع منه الآخذ عنه ، ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع .

وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل ، وكان كل من شيخه والراوي عنه ثقة ، ولم يأت بحديث منكر فهو عنده ثقة ، وفي كتاب الثقات له كثير ممن هذه حاله .

ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم من الثقات من لم يعرف اصطلاحه ، ولا اعتراض عليه ، فإنه لا يشاحح في ذلك ] .

قلت : ويتأيد بقول الحازمي : ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم ، وكذا قال العماد بن كثير : قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة ، وهما خير من ( المستدرك ) بكثير ، وأنظف أسانيد ومتونا ، وعلى كل حال فلا بد من النظر للتمييز .

وكم في كتاب ابن خزيمة أيضا من حديث محكوم منه بصحته ، وهو لا يرتقي عن رتبة الحسن ، بل وفيما صححه الترمذي من ذلك جملة ، مع أنه ممن يفرق بين الصحيح والحسن .

[ ص: 57 ] وكذا من مظان الصحيح " المختارة " مما ليس في الصحيحين أو أحدهما للضياء المقدسي الحافظ ، وهي أحسن من المستدرك ، لكنها مع كونها على المسانيد لا الأبواب - لم يكمل تصنيفها .

وتقع أيضا في صحيح أبي عوانة الذي عمله مستخرجا على مسلم أحاديث كثيرة زائدة على أصله ، وفيها الصحيح والحسن ، بل والضعيف أيضا ، فينبغي التحرز في الحكم عليها أيضا .

وأما ما يقع فيه وفي غيره من المستخرجات على الصحيحين من زيادة في أحاديثهما ، أو تتمة لمحذوف ، أو نحو ذلك - فهي صحيحة ، لكن مع وجود الصفات المشترطة في الصحيح ، فيمن بين صاحب المستخرج والراوي ، الذي اجتمعا فيه كما سيأتي قريبا .

‌‌‌‌‌‌

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث