الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز

جزء التالي صفحة
السابق

ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز

وكان من أشد ملوكهم بطشا ، وأنفذهم رأيا ، وبلغ من البأس والنجدة وجمع الأموال ومساعدة الأقدار ما لم يبلغه ملك قبله ، ولذلك لقب أبرويز ، ومعناه المظفر ، وكان في حياة أبيه قد سعى به بهرام جوبين إلى أبيه أنه يريد الملك لنفسه ، فلما علم ذلك سار إلى أذربيجان سرا ، وقيل غير ذلك ، وقد تقدم ، فلما وصلها بايعه من كان بها من العظماء ، واجتمع من بالمدائن على خلع أبيه ، فلما سمع أبرويز بادر الوصول إلى المدائن قبل بهرام جوبين ، فدخلها قبله ولبس التاج وجلس على السرير ، ثم دخل على أبيه ، وكان قد سمل ، فأعلمه أنه بريء مما فعل به ، وإنما كان هربه للخوف منه ، فصدقه وسأله أن يرسل إليه كل يوم من يؤنسه ، وأن ينتقم ممن خلعه وسمل عينيه ، فاعتذر بقرب بهرام منه في العساكر وأنه لا يقدر على أن ينتقم ممن فعل به ذلك إلا بعد الظفر ببهرام .

وسار بهرام إلى النهروان وسار أبرويز إليه ، فالتقيا هناك ، ورأى أبرويز من أصحابه فتورا في القتال فانهزم ، ودخل على أبيه وعرفه الحال ، فاستشاره فأشار عليه بقصد موريق ملك الروم ، وجهز ثانيا وسار في عدة يسيرة ، فيهم خالاه بندويه وبسطام وكردي أخو بهرام ، فلما خرجوا من المدائن خاف من معه أن بهرام يرد هرمز إلى الملك [ ص: 429 ] ويرسل إلى ملك الروم في ردهم فيردهم إليه ، فاستأذنوا أبرويز في قتل أبيه هرمز فلم يحر جوابا ، فانصرف بندويه وبسطام وبعض من معهم إلى هرمز فقتلوه خنقا ، ثم رجعوا إلى أبرويز وساروا مجدين إلى أن جاوزوا الفرات ، ودخلوا ديرا يستريحون فيه ، فلما دخلوا غشيتهم خيل بهرام جوبين ومقدمها رجل اسمه بهرام بن سياوش ، فقال بندويه لأبرويز : احتل لنفسك . قال : ما عندي حيلة ! قال بندويه : أنا أبذل نفسي دونك ، وطلب منه بزته فلبسها ، وخرج أبرويز ومن معه من الدير وتواروا بالجبل ، ووافى بهرام الدير فرأى بندويه فوق الدير وعليه بزة أبرويز ، فاعتقده هو وسأله أن ينظره إلى غد ليصير إليه سلما ، ففعل ، ثم ظهر من الغد على حيلته فحمله إلى بهرام جوبين فحبسه ، ودخل بهرام جوبين دار الملك وقعد على السرير ولبس التاج ، فانصرفت الوجوه عنه ، لكن الناس أطاعوه خوفا ، وواطأ بهرام بن سياوش بندويه على الفتك ببهرام جوبين ، فعلم بهرام جوبين بذلك فقتل بهرام وأفلت بندويه فلحق بأذربيجان .

وسار أبرويز إلى أنطاكية ، وأرسل أصحابه إلى الملك ، فوعده النصرة وتزوج أبرويز ابنة الملك موريق ، واسمها مريم ، وجهز معه العساكر الكثيرة ، فبلغت عدتهم سبعين ألفا فيهم رجل يعد بألف مقاتل ، فرتبهم أبرويز وسار بهم إلى أذربيجان ، فوافاه بندويه وغيره من المقدمين والأساورة في أربعين ألف فارس من أصبهان وفارس وخراسان ، وسار إلى المدائن . وخرج بهرام جوبين نحوه ، فجرى بينهما حرب شديدة ، فقتل فيها الفارس الرومي الذي يعد بألف فارس .

ثم انهزم بهرام جوبين ، وسار إلى الترك ، وسار أبرويز من المعركة ودخل المدائن وفرق الأموال في الروم ، فبلغت جملتها عشرين ألف ألف فأعادهم إلى بلادهم .

وأقام بهرام جوبين عند الترك مكرما ، فأرسل أبرويز إلى زوجة الملك ، وأجزل لها الهدية من الجواهر وغيرها ، وطلب منها قتل بهرام ، فوضعت عليه من قتله ، فاشتد قتله على ملك الترك ، ثم علم أن زوجته قتلته فطلقها . ثم إن أبرويز قتل بندويه ، وأراد قتل بسطام فهرب منه إلى طبرستان لحصانتها ، فوضع أبرويز عليه فقتله .

وأما الروم فإنهم خلعوا ملكهم موريق بعد أربع عشرة سنة من ملك أبرويز ، وقتلوه وملكوا عليهم بطريقا اسمه فوقاس ، فأباد ذرية موريق سوى ابن له هرب إلى [ ص: 430 ] كسرى أبرويز ، فأرسل معه العساكر وتوجه وملكه على الروم وجعل على عساكره ثلاثة نفر من قواده وأساورته .

أما أحدهم فكان يقال له بوران ، وجهه في جيش منها إلى الشام ، فدخلها حتى دخل إلى البيت المقدس ، فأخذ خشبة الصليب التي تزعم النصارى أن المسيح - عليه السلام - صلب عليها فأرسلها إلى كسرى أبرويز .

وأما القائد الثاني فكان يقال له شاهين ، فسيره في جيش آخر إلى مصر ، فافتتحها وأرسل مفاتيح الإسكندرية إلى أبرويز .

وأما القائد الثالث ، وهو أعظمهم ، فكان يقال له فرخان ، وتدعى مرتبته شهربراز ، وجعل مرجع القائدين الأولين إليه .

وكانت والدته منجبة لا تلد إلا نجيبا ، فأحضرها أبرويز وقال لها : إني أريد أن أوجه جيشا إلى الروم ، أستعمل عليه بعض بنيك ، فأشيري علي أيهم أستعمل ؟ . فقالت : أما فلان فأروغ من ثعلب ، وأحذر من صقر ، وأما فرخان فهو أنفذ من سنان ، وأما شهربراز فهو أحلم من كذا .

فقال : قد استعملت الحليم ، فولاه أمر الجيش ، فسار إلى الروم فقتلهم ، وخرب مدائنهم ، وقطع أشجارهم ، وسار في بلادهم إلى القسطنطينية ، حتى نزل على خليجها القريب منها ينهب ويغير ويخرب ، فلم يخضع لابن موريق أحد ولا أطاعه ، غير أن الروم قتلوا فوقاس لفساده وملكوا عليهم بعده هرقل ، وهو الذي أخذ المسلمون الشام منه .

فلما رأى هرقل ما أهم الروم من النهب والقتل والبلاء تضرع إلى الله تعالى ودعاه ، فرأى في منامه رجلا كث اللحية رفيع المجلس عليه بزة حسنة ، فدخل عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل : إني قد أسلمته في يدك ، فاستيقظ ، فلم [ ص: 431 ] يقص رؤياه ، فرأى في الليلة الثانية ذلك الرجل جالسا في مجلسه ، وقد دخل الرجل الثالث وبيده سلسلة ، فألقاها في عنق ذلك الرجل وسلمه إلى هرقل وقال : قد دفعت إليك كسرى برمته فاغزه ، فإنك مدال عليه ، وبالغ أمنيتك في أعدائك . فقص حينئذ هذه الرؤيا على عظماء الروم ، فأشاروا عليه أن يغزوه ، فاستعد هرقل وأخلف ابنا له على القسطنطينية ، وسلك غير الطريق الذي عليه شهربراز ، وسار حتى أوغل في بلاد أرمينية ، وقصد الجزيرة فنزل نصيبين ، فأرسل إليه كسرى جندا وأمرهم بالمقام بالموصل ، وأرسل إلى شهربراز يستحثه على القدوم ليتضافرا على قتال هرقل .

وقيل في مسيره غير هذا ، وهو أن شهربراز سار إلى بلاد الروم فوطئ الشام حتى وصل إلى أذرعات ، ولقي جيوش الروم بها فهزمها وظفر بها وسبى وغنم وعظم شأنه .

ثم إن فرخان أخا شهربراز شرب الخمر يوما وقال : لقد رأيت في المنام كأني جالس على سرير كسرى ، فبلغ الخبر كسرى فكتب إلى أخيه شهربراز يأمره بقتله ، فعاوده وأعلمه شجاعته ونكايته في العدو ، فعاد كسرى وكتب إليه بقتله ، فراجعه ، فكتب إليه الثالثة ، فلم يفعل ، فكتب كسرى بعزل شهربراز وولاية فرخان العسكر ، فأطاع شهربراز فلما جلس على سرير الإمارة ألقى إليه القاصد بولايته كتابا صغيرا من كسرى يأمره بقتل شهربراز فعزم على قتله ، فقال له شهربراز : أمهلني حتى أكتب وصيتي ، فأمهله ، فأحضر درجا وأخرج منه كتب كسرى الثلاثة وأطلعه عليها وقال : أنا راجعت فيك ثلاث مرات ولم أقتلك ، وأنت تقتلني في مرة واحدة ، فاعتذر أخوه إليه وأعاده إلى الإمارة واتفقا على موافقة ملك الروم على كسرى ، فأرسل شهربراز إلى هرقل : إن لي إليك حاجة لا يبلغها البريد ولا تسعها الصحف ، فالقني في خمسين روميا ، فإني ألقاك في خمسين فارسيا ، فأقبل قيصر في جيوشه جميعها ، ووضع عيونه تأتيه بخبر شهربراز ، وخاف أن يكون مكيدة ، فأتته عيونه فأخبروه أنه في خمسين فارسيا ، فحضر عنده في مثلها ، واجتمعا وبينهما ترجمان فقال له : أنا وأخي خربنا بلادك وفعلنا ما علمت ، وقد حسدنا كسرى وأراد قتلنا ، وقد خلعناه ونحن نقاتل معك . ففرح هرقل بذلك واتفقا [ ص: 432 ] عليه وقتلا الترجمان لئلا يفشي سرهما ، وسار هرقل في جيشه إلى نصيبين .

وبلغ كسرى أبرويز الخبر وأرسل لمحاربة هرقل قائدا من قواده اسمه راهزار في اثني عشر ألفا ، وأمره أن يقيم بنينوى من أرض الموصل على دجلة يمنع هرقل من أن يجوزها ، وأقام هو بدسكرة الملك ، فأرسل راهزار العيون ، فأخبروه أن هرقل في سبعين ألف مقاتل ، فأرسل إلى كسرى يعرفه ذلك ، وأنه يعجز عن قتال هذا الجمع الكثير ، فلم يعذره وأمره بقتاله ، فأطاع وعبى جنده ، وسار هرقل نحو جنود كسرى ، وقطع دجلة من غير الموضع الذي فيه راهزار ، فقصده راهزار ولقيه ، فاقتتلوا ، فقتل راهزار وستة آلاف من أصحابه وانهزم الباقون .

وبلغ الخبر أبرويز وهو بدسكرة الملك ، فهده ذلك وعاد إلى المدائن ، وتحصن بها لعجزه عن محاربة هرقل ، وكتب إلى قواد الجند الذين انهزموا يتهددهم بالعقوبة فأحوجهم إلى الخلاف عليه ، على ما نذكره إن شاء الله . وسار هرقل حتى قارب المدائن ثم عاد إلى بلاده .

وكان سبب عوده أن كسرى لما عجز عن هرقل أعمل الحيلة ، فكتب كتابا إلى شهربراز يشكره ويثني عليه ويقول له : أحسنت في فعل ما أمرتك به من مواصلة ملك الروم وتمكينه من البلاد ، والآن قد أوغل وأمكن من نفسه ، فتجيء أنت من خلفه وأنا من بين يديه ، ويكون اجتماعنا عليه يوم كذا فلا يفلت منهم أحد . ثم جعل الكتاب في عكاز أبنوس ، وأحضر راهبا كان في دير عند المدائن وقال له : لي إليك حاجة . فقال الراهب : الملك أكبر من أن يكون له إلي حاجة ولكنني عبده . قال : إن الروم قد نزلوا قريبا منا ، وقد حفظوا الطرق عنا ، ولي إلى أصحابي الذين بالشام حاجة ، وأنت نصراني إذا جزت على الروم لا ينكرونك ، وقد كتبت كتابا وهو في هذه العكازة فتوصله إلى شهربراز ، وأعطاه مائتي دينار . فأخذ الكتاب وفتحه وقرأه ثم أعاده وسار ، فلما صار بالعسكر ورأى الروم والرهبان والنواقيس رق قلبه وقال : أنا شر الناس إن أهلكت النصرانية ! فأقبل إلى سرادق الملك وأنهى حاله وأوصل الكتاب إليه . فقرأه ثم أحضر أصحابه رجلا قد أخذوه من طريق الشام قد واطأه كسرى ومعه كتاب [ ص: 433 ] قد افتعله على لسان شهربراز إلى كسرى يقول : إنني مازلت أخادع ملك الروم ، حتى اطمأن إلي ، وجاز إلى البلاد كما أمرتني ، فيعرفني الملك في أي يوم يكون لقاؤه ، حتى أهجم أنا عليه من ورائه والملك من بين يديه ، فلا يسلم هو ولا أصحابه ، وآمره أن يتعمد طريقا يؤخذ فيها .

فلما قرأ ملك الروم الكتاب الثاني تحقق الخبر ، فعاد شبه المنهزم مبادرا إلى بلاده ، ووصل خبر عودة ملك الروم إلى شهربراز ، فأراد أن يستدرك ما فرط منه ، فعارض الروم فقتل منهم قتلا ذريعا وكتب إلى كسرى : إنني عملت الحيلة على الروم حتى صاروا في العراق ، وأنفذ من رءوسهم شيئا كثيرا .

وفي هذه الحادثة أنزل الله تعالى : ( الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) ، يعني بأدنى الأرض أذرعات ، وهي أدنى أرض الروم إلى العرب ، وكانت الروم قد هزمت بها في بعض حروبها .

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون قد ساءهم ظفر الفرس أولا بالروم ; لأن الروم أهل كتاب ، وفرح الكفار لأن المجوس أميون مثلهم ، فلما نزلت هذه الآيات راهن أبو بكر الصديق أبي بن خلف على أن الظفر يكون للروم إلى تسع سنين ، والرهن مائة بعير ، فغلبه أبو بكر ، ولم يكن الرهن ذلك الوقت حراما ، فلما ظفرت الروم أتى الخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث