الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الجمعة في القرى والمدن

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 388 ] 11 - باب

الجمعة في القرى والمدن

فيه حديثان:

أحدهما: قال:

852 892 - نا محمد بن المثنى، نا أبو عامر العقدي، نا إبراهيم بن طهمان، عن أبي جمرة الضبعي، عن ابن عباس، قال: إن أول جمعة جمعت في الإسلام - بعد جمعة في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين.

التالي السابق


قد ذكرنا هذا الحديث في أول " كتاب الجمعة "، وذكرنا بعض الاختلاف في إسناده ومتنه، وأن معناه: أنه لم يجمع في الإسلام بعد التجميع بالمدينة إلا في مسجد عبد القيس بالبحرين ، فكان أول بلد أقيمت الجمعة فيه المدينة ، ثم بعدها قرية جوثاء بالبحرين .

وهذا يدل على أن عبد القيس أسلموا قبل فتح مكة، وجمعوا في مسجدهم، ثم فتحت مكة بعد ذلك، وجمع فيها.

والمقصود: أنهم جمعوا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في قرية جواثاء ، وإنما وقع ذلك منهم بإذن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمره لهم؛ فإن وفد عبد القيس أسلموا طائعين، وقدموا راغبين في الإسلام، وسألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مهمات الدين، وبين لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- قواعد الإيمان وأصوله، وقد سبق ذكر حديثهم في " كتاب الإيمان ".

فيدل ذلك على جواز إقامة الجمعة بالقرى ، وأنه لا يشترط لإقامة الجمعة المصر الجامع، كما قاله طائفة من العلماء.

[ ص: 389 ] وممن ذهب إلى جواز إقامة الجمعة في القرى: عمر بن عبد العزيز وعطاء ومكحول وعكرمة والأوزاعي ومالك والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق .

وروى القناد ، عن سفيان نحوه.

وكان ابن عمر يمر بالمياه بين مكة والمدينة ، فيرى أهلها يجمعون، فلا يعيب عليهم.

ذكره عبد الرزاق ، عن العمري ، عن نافع ، عنه.

وروى ابن المبارك ، عن أسامة بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر : لا جمعة في سفر، ولا جمعة إلا في مصر جامع.

وهذا - مع الذي قبله - يدل على أنه أراد بالمصر القرى.

وروى الأثرم بإسناده، عن أبي ذر ، أنه كان يجمع بالربذة مع الناس.

وقالت طائفة: لا جمعة إلا في مصر جامع، روي ذلك عن علي ، وبه قال النخعي والثوري - في المشهور عنه - وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن .

وقال الحسن وابن سيرين : لا جمعة إلا في مصر.

وقد روي عن علي خلاف ذلك، روى وكيع ، عن قيس بن الربيع ، عن طالب بن السميدع ، عن أبيه، أن عليا جمع بالمدائن .

وعن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، أن حذيفة جمع بالمدائن .

وعن شعبة ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، قال: كتبت إلى عمر بن الخطاب أسأله عن الجمعة بالبحرين ، فكتب إلي: أن اجمعوا حيثما كنتم .

قال الإمام أحمد : هذا إسناد جيد.

[ ص: 390 ] وروى وكيع بإسناده، عن النخعي ، أنه جمع بحلوان .

وهذا كله يدل على أن من قال: لا جمعة إلا في مصر جامع، فإنه أراد بذلك القرى التي فيها وال من جهة الإمام، فيكون مراده: أنه لا جمعة إلا بإذن الإمام في مكان له فيه نائب يقيم الجمعة بإذنه.

وبذلك فسره أحمد في رواية عنه.

وكذلك روي عن محمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - تفسير المصر: أن الإمام إذا بعث إلى قرية نائبا له لإقامة الحدود، فهو مصر، فلو عزله ألحق بالقرى.

وروي نحوه عن أبي يوسف ، وعن أبي حنيفة - أيضا.

قال أحمد : المصر إذا كان به الحاكم، ولا يقال للقرى: مصر.

وقال إسحاق : كل قرية فيها أربعون رجلا يقال لها: مصر.

وهذا بعيد جدا.

وعن سفيان روايتان في تفسير المصر:

إحداهما: أنه كل مصر فيه جماعة وإمام.

والثانية - نقلها عنه ابن المبارك -: أن المصر الجامع ما عرفه الناس أنه جامع.

وقال عمرو بن دينار : سمعنا أن لا جمعة إلا في قرية جامعة.

وعنه، قال: إذا كان المسجد تجمع فيه الصلوات فلتصل فيه الجمعة.

وقد تقدم حديث كعب بن مالك ، أن أول جمعة جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات في هزم من حرة بني بياضة ، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع أول ما قدم المدينة في مسجد بني سالم .

وهذه كلها في حكم القرى خارج المدينة .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث