الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            [ ص: 358 ] المجمل

            ص - المجمل : المجموع .

            وفي الاصطلاح : ما لم تتضح دلالته .

            وقيل ; اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء .

            ولا يطرد للمهمل والمستحيل .

            ولا ينعكس ; لجواز فهم أحد المحامل ، والفعل المجمل ، كالقيام من الركعة الثانية ، لاحتمال الجواز والسهو .

            أبو الحسين : ما لا يمكن معرفة المراد منه .

            ويرد المشترك المبين والمجاز المراد ، بين أو لم يبين .

            [ ص: 359 ] وقد يكون في مفرد بالأصالة أو بالإعلال ، كالمختار .

            وفي مركب ، مثل : أو يعفو ، وفي مرجع الضمير ، وفي مرجع الصفة ، كطبيب ماهر ، وفي تعدد المجاز بعد منع الحقيقة .

            التالي السابق


            ش - لما فرغ من المطلق والمقيد شرع في بيان المجمل والمبين ، والكلام في حده وأقسامه وأحكامه .

            المجمل لغة هو : المجموع ، من قولهم : أجمل الحساب ، إذا جمعه ورفع تفاصيله .

            وفي الاصطلاح : ما لم تتضح دلالته .

            وإنما قال : " ما " ولم يقل لفظ ، ليتناول الفعل والقول ; لأن الإجمال كما يكون في اللفظ كذلك يكون في الفعل .

            والدلالة أعم من أن تكون لفظية أو غير لفظية .

            ودلالة الفعل عقلية .

            وقوله : " ولم تتضح دلالته " . احتراز عن المهمل ؛ فإنه لا دلالة له أصلا .

            وعن المبين ; لأن دلالته متضحة .

            [ ص: 360 ] قيل : يدخل في الحد : المئول أيضا ; فإن دلالته على المعنى المرجوح ليست متضحة .

            أجيب عنه بأن المئول صدق عليه أن دلالته متضحة بالنسبة إلى المعنى الراجح .

            ورد هذا الجواب بأنه غير داخل تحت الحد من هذا الوجه ; لأنه ظاهر ، وداخل تحته من الوجه الآخر الذي به كان مئولا .

            وهذا الرد غير صحيح ; لأن المجمل : ما لم تتضح دلالته أصلا والمئول يتضح دلالته في الجملة ; لأن دلالته متضحة بالنسبة إلى المعنى الراجح ، فلا يكون داخلا تحت الحد .

            وقيل في تعريف المجمل أيضا إنه : اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء .

            وهذا الحد غير مطرد ; لأنه يصدق على المهمل ; لأنه لا يفهم منه شيء عند الإطلاق ، مع أنه ليس بمجمل .

            وكذا يصدق على المستحيل ; إذ لا يفهم منه عند الإطلاق شيء ; لأن مدلوله ليس بشيء ، مع أن المستحيل ليس بمجمل .

            وهذا الحد أيضا غير منعكس ; فإن المجمل قد يفهم منه شيء عند الإطلاق لجواز فهم أحد محامله عند الإطلاق ، وأحد المحامل شيء - فيصدق المحدود دون الحد .

            [ ص: 361 ] وأيضا الفعل المجمل يخرج من الحد ; لأنه ليس بلفظ ، مع أنه مجمل ، كقيام النبي - عليه السلام - من الركعة الثانية من غير أن يجلس للتشهد ؛ فإنه فعل مجمل ؛ لأنه يحتمل أن يكون القيام عن تعمد فيكون دالا على جواز ترك الجلسة للتشهد .

            ويحتمل أن يكون القيام عن سهو ، وحينئذ لا دلالة له على جواز ترك الجلسة للتشهد .

            وقال أبو الحسين في تعريفه : إن المجمل ما لا يمكن معرفة المراد منه ، أي من نفسه ، واحترز به عن المجمل المبين ، فإنه يمكن معرفة المراد بالبيان ، لا من نفسه .

            وأورد على طرد هذا التعريف المشترك المبين ، كعين جارية ; فإنه لا يمكن معرفة المراد من نفسه ، مع أنه ليس بمجمل .

            وهذا غير وارد ; إذ المشترك مع قطع النظر عن البيان ، لا يمكن معرفة المراد من نفسه ، فيكون مجملا بهذا الاعتبار ومع التفات النظر إلى البيان يمكن معرفة المراد منه ، فلا يكون مجملا بهذا الاعتبار . واللفظ الواحد يجوز أن يكون مجملا باعتبار ، غير مجمل باعتبار آخر .

            وأورد أيضا على طرده المجاز المراد ، بين أو لم يبين ، لأنه لا يمكن معرفة المراد من نفسه مع أنه ليس بمجمل .

            وقيد المشترك بالمبين ; لأنه إذا لم يبين يكون مجملا ، بخلاف المجاز فإنه لا يكون مجملا سواء بين أو لم يبين .

            قيل : هذا أيضا غير وارد ; لأن اللفظ إذا أريد به المجاز لم [ ص: 362 ] يكن معرفة المراد من نفسه ، وهو من هذا الوجه مجمل ، ومن حيث إنه استعمل فيما لم يوضع له مجاز .

            والإجمال قد يكون في مفرد ، إما بالأصالة ، كالقرء ، أو بإعلال ، كالمختار ، فإنه يحتمل أن يكون فاعلا ويحتمل أن يكون مفعولا ، وهذا الإجمال إنما عرض فيه بواسطة قلب الياء المكسورة أو المفتوحة ألفا .

            وقد يكون الإجمال في مركب ، مثل قوله تعالى : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " . لاحتمال أن يكون الموصول مع صلته هو الزوج أو الولي ، والموصول مع الصلة مركب .

            وقد يكون الإجمال في مرجع الضمير ، وذلك إذا تعدد ما يحتمل أن يكون مرجوعا إليه ، ولم يرجح العود إلى واحد ؛ نحو ضرب زيد عمرا وأكرمني ؛ فإن الضمير الذي هو فاعل أكرمني يحتمل أن يرجع إلى زيد ويحتمل أن يرجع إلى عمرو .

            وقد يكون الإجمال في مرجع الصفة ، مثل قوله : زيد طبيب ماهر ؛ فإنه يحتمل أن يكون ماهر صفة للطبيب ، ويحتمل أن يكون صفة لصفة أخرى .

            وقد يكون الإجمال في تعدد المجاز بعد منع حمل اللفظ على مفهومه الحقيقي إذا كانت المجازات متكافئة .

            [ ص: 363 ]



            الخدمات العلمية