الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة

إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود

بيان للتعريض وتصريح بعد تلويح . والمعنى : وكذلك أخذ ربك فاحذروه واحذروا ما هو أشد منه وهو عذاب الآخرة . والإشارة إلى الأخذ المتقدم . وفي هذا تخلص إلى موعظة المسلمين والتعريض بمدحهم بأن مثلهم من ينتفع بالآيات ويعتبر بالعبر كقوله : وما يعقلها إلا العالمون .

[ ص: 161 ] وجعل عذاب الدنيا آية دالة على عذاب الآخرة لأن القرى الظالمة توعدها الله بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة كما في قوله - تعالى : وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك فلما عاينوا عذاب الدنيا كان تحققه أمارة على تحقق العذاب الآخر .

وجملة ذلك يوم مجموع له الناس معترضة للتنويه بشأن هذا اليوم حتى أن المتكلم يبتدئ كلاما لأجل وصفه .

والإشارة بذلك إلى الآخرة لأن ماصدقها يوم القيامة ، فتذكير اسم الإشارة مراعاة لمعنى الآخرة .

واللام في ( مجموع له ) لام العلة ، أي مجموع الناس لأجله .

ومجيء الخبر جملة اسمية في الإخبار عن اليوم يدل على معنى الثبات ، أي ثابت جمع الله الناس لأجل ذلك اليوم ، فيدل على تمكن تعلق الجمع بالناس وتمكن كون ذلك الجمع لأجل اليوم حتى لقب ذلك اليوم يوم الجمع في قوله - تعالى : يوم يجمعكم ليوم الجمع

وعطف جملة وذلك يوم مشهود على جملة ذلك يوم مجموع له الناس لزيادة التهويل لليوم بأنه يشهد . وطوي ذكر الفاعل إذ المراد يشهده الشاهدون ، إذ ليس القصد إلى شاهدين معينين . والإخبار عنه بهذا يؤذن بأنهم يشهدونه شهودا خاصا وهو شهود الشيء المهول ، إذ من المعلوم أن لا يقصد الإخبار عنه بمجرد كونه مرئيا لكن المراد كونه مرئيا رؤية خاصة .

ويجوز أن يكون المشهود بمعنى المحقق أي مشهود بوقوعه ، كما يقال : حق مشهود ، أي عليه شهود لا يستطاع إنكاره ، واضح للعيان .

ويجوز أن يكون المشهود بمعنى كثير الشاهدين إياه لشهرته ، كقولهم : لفلان مجلس مشهود ، كقول أم قيس الضبية :

[ ص: 162 ]


ومشهد قد كفيت النـاطـقـين بـه في محفل من نواصي الخيل مشهود



فيكون من نحو قوله - تعالى : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا الآية .

وجملة وما نؤخره إلا لأجل معدود معترضة بين جملة ذلك يوم مجموع له الناس وبين جملة يوم يأتي لا تكلم نفس إلخ . والمقصود الرد على المنكرين للبعث مستدلين بتأخير وقوعه في حين تكذيبهم به يحسبون أن تكذيبهم به يغيظ الله - تعالى - فيعجله لهم جهلا منهم بمقام الإلهية فبين الله لهم أن تأخيره إلى أجل حدده الله له من يوم خلق العالم كما حدد آجال الأحياء ، فيكون هذا كقوله - تعالى : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون .

والأجل : أصله المدة المنظر إليها في أمر ، ويطلق أيضا على نهاية تلك المدة ، وهو المراد هنا بقرينة اللام ، كما أريد في قوله - تعالى : فإذا جاء أجلهم .

والمعدود : أصله المحسوب ، وأطلق هنا كناية عن المعين المضبوط بحيث لا يتأخر ولا يتقدم لأن المعدود يلزمه التعين ، أو كناية عن القرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث