الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          1395 - مسألة : والمريض مرضا يموت منه أو يبرأ منه ، والحامل مذ تحمل إلى أن تضع أو تموت ، والموقوف للقتل بحق في قود أو حد أو بباطل ، والأسير عند من يقتل الأسرى أو من لا يقتلهم ، والمشرف على العطب ، والمقاتل بين الصفين كلهم سواء ، وسائر الناس في أموالهم ، ولا فرق في صدقاتهم ، وبيوعهم ، وعتقهم وهباتهم وسائر أموالهم .

                                                                                                                                                                                          وقال قوم : بالحجر على هؤلاء فيما زاد على الثلث .

                                                                                                                                                                                          وقال أبو سليمان : وأصحابنا كقولنا إلا في العتق خاصة فقط ، فإنهم قالوا : عتق المريض خاصة دون سائر من ذكرنا لا ينفذ إلا من الثلث ، سواء أفاق من مرضه ، أو مات منه - أي مرض كان .

                                                                                                                                                                                          وروينا من طريق ابن أبي شيبة نا علي بن مسهر نا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن مسروق أنه سئل عمن أعتق عبدا له في مرضه وليس له مال غيره ؟ فقال مسروق : أجيزه برمته ، شيء جعله الله لا أرده - وقال شريح : أجيز ثلثه وأستسعيه في ثلثيه .

                                                                                                                                                                                          قال الشعبي : قول مسروق أحب إلي في الفتيا ، وقول شريح أحب إلي في القضاء - وقول النخعي كقول شريح .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق قتادة عن الحسن عن ابن مسعود فيمن أعتق عبدا له في مرضه لا مال له غيره ؟ قال : اعتق ثلثه . [ ص: 165 ]

                                                                                                                                                                                          ومن طريق معمر عن عبد الرحمن بن عبد الله عن القاسم بن عبد الرحمن أن رجلا اشترى جارية في مرضه فأعتقها عند موته فجاء الذين باعوها بثمنها فلم يجدوا له مالا فقال ابن مسعود : اسعي في ثمنك .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن الحسن سئل علي عمن أعتق عبدا له عند موته ، وليس له مال غيره وعليه دين ؟ قال : يعتق ويسعى في القيمة

                                                                                                                                                                                          وقال النخعي فيمن أعتق عبدا عند موته لا مال له غيره وعليه دين : أنه يسعى في قيمته فيقضي الدين ، فإن فضل شيء فله ثلثه وللورثة ثلثاه .

                                                                                                                                                                                          وقال الحسن ، وعطاء : عتق المريض من الثلث - وهو قول قتادة ، وسعيد بن المسيب ، وأبان بن عثمان ، وسليمان بن موسى ، ومكحول - ثم اختلفوا ، فمن مرق منه ما زاد على الثلث ، ومن معتق لجميعه ويستسعيه فيما زاد على الثلث .

                                                                                                                                                                                          وأما بيعه وشراؤه : فروينا من طريق سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن الشعبي : في المريض يبيع ويشتري ، قال : هو في الثلث وإن مكث عشر سنين .

                                                                                                                                                                                          وأما الحامل : فروينا من طريق سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن الشعبي عن شريح أنه كان يرى ما صنعت الحامل في حملها من الثلث ؟ قال سفيان : ونحن لا نأخذ بهذا ، بل نقول : ما صنعت فهو جائز ، إلا أن تكون مريضة من غير الحمل ، أو يدنو مخاضها - يريد أن يضر بها الطلق وقال عطاء : ما صنعت الحامل في حملها فهو وصية ؟ قلت : أرأي ؟ قال : بل سمعناه - وهو قول قتادة : وعكرمة - وقال الحسن ، والنخعي ، ومكحول والزهري : عطية الحامل كعطية الصحيح .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه سمع القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال : ما أعطت الحامل لوارث ، أو لزوج ، فمن رأس مالها ، إلا أن تكون مريضة - وقال ربيعة : كذلك ، إلا أن تثقل ، أو يحضرها نفاس .

                                                                                                                                                                                          قال ابن وهب وأخبرت بهذا أيضا عن ابن المسيب ، ويحيى بن سعيد ، وابن حجيرة الخولاني - وهو قول أحمد ، وإسحاق - وقال النخعي ، ومكحول ويحيى بن سعيد الأنصاري [ ص: 166 ] والأوزاعي ، وعبيد الله بن الحسن ، والشافعي في عطية الحامل كقول سفيان الثوري - وهو قول أبي حنيفة .

                                                                                                                                                                                          وروي عن سعيد بن المسيب : عطية الغازي من الثلث - وقال مكحول : بل من رأس ماله ، إلا أن تقع المسايفة وعطية راكب البحر كذلك .

                                                                                                                                                                                          وقال الحسن : هو كالصحيح ، وكذلك راكب البحر ، ومن كان في بلد قد وقع فيه الطاعون . وقال مكحول : كذلك في راكب البحر ما لم يهج البحر .

                                                                                                                                                                                          وقال الحسن في إياس بن معاوية لما حبسه الحجاج : ليس له من ماله ، إلا الثلث ، فقال إياس إذ بلغه قوله : ما فقه أحد إلا ساء ظنه بالناس .

                                                                                                                                                                                          وقال الشعبي : ما صنع المسافر فمن الثلث من حيث يقع رحله في الغرز - قال النخعي : بل من رأس المال .

                                                                                                                                                                                          وقال الزهري : ما صنع الأسير فمن الثلث .

                                                                                                                                                                                          وقال أبو حنيفة : ليس للمريض أن يقضي بعض غرمائه دون بعض .

                                                                                                                                                                                          ورأوا محاباته في البيع ، وهباته ، وصدقاته ، وعتقه ، كل ذلك من الثلث إن مات من ذلك المرض ، إلا أن العتق ينفذ كله ويستسعى فيما لا يحمله الثلث منه ، فإن أفاق من ذلك المرض نفذ كل ذلك من رأس ماله .

                                                                                                                                                                                          وأما المحصور ، والواقف في صف الحرب فكالصحيح . وأما الذي يقدم للقتل في قصاص ، أو رجم فكالمريض .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية