الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب قضاء الاعتكاف

حدثني زياد عن مالك عن ابن شهاب عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه وجد أخبية خباء عائشة وخباء حفصة وخباء زينب فلما رآها سأل عنها فقيل له هذا خباء عائشة وحفصة وزينب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آلبر تقولون بهن ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال وسئل مالك عن رجل دخل المسجد لعكوف في العشر الأواخر من رمضان فأقام يوما أو يومين ثم مرض فخرج من المسجد أيجب عليه أن يعتكف ما بقي من العشر إذا صح أم لا يجب ذلك عليه وفي أي شهر يعتكف إن وجب عليه ذلك فقال مالك يقضي ما وجب عليه من عكوف إذا صح في رمضان أو غيره وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد العكوف في رمضان ثم رجع فلم يعتكف حتى إذا ذهب رمضان اعتكف عشرا من شوال والمتطوع في الاعتكاف في رمضان والذي عليه الاعتكاف أمرهما واحد فيما يحل لهما ويحرم عليهما ولم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اعتكافه إلا تطوعا قال مالك في المرأة إنها إذا اعتكفت ثم حاضت في اعتكافها إنها ترجع إلى بيتها فإذا طهرت رجعت إلى المسجد أية ساعة طهرت ثم تبني على ما مضى من اعتكافها ومثل ذلك المرأة يجب عليها صيام شهرين متتابعين فتحيض ثم تطهر فتبني على ما مضى من صيامها ولا تؤخر ذلك

التالي السابق


4 - باب قضاء الاعتكاف

699 693 - ( حدثنا زياد عن مالك عن ابن شهاب ) قال ابن عبد البر : هذا غلط وخطأ مفرط لا أدري هل هو من يحيى أم من زياد ؟ ولم يتابعه أحد عليه من رواة الموطأ ، ولا يعرف هذا الحديث لابن شهاب لا من حديث مالك ولا غيره ، وإنما الحديث لجميع رواة الموطأ ، مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري إلا أن منهم من يصله ( عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ) ، ومنهم من يرسله فلا يذكر عائشة ، ومنهم من يقطعه فلا يذكر عمرة انتهى .

[ ص: 312 ] وبه يتعقب قول فتح الباري : إنه مرسل عن عمرة في الموطآت كلها ، ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف ) في العشر الأواخر من رمضان كما في رواية لمسلم ، ولهما عن عائشة : " فكنت أضرب له خباء " ، ( فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه ) وهو الخباء ، ( وجد أخبية ) ثلاثة ، وفي رواية للبخاري : " فلما انصرف من الغداة أبصر أربع قباب " يعني قبة له وثلاثة للثلاثة ، ( خباء عائشة ) بكسر الخاء المعجمة ثم موحدة ممدود ، أي خيمة من وبر أو صوف على عمودين أو ثلاثة ، ( وخباء حفصة ) ، وفي رواية للبخاري : " فاستأذنته عائشة فأذن لها فسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت " ، وله في أخرى : " فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت قبة فسمعت بها حفصة فضربت قبة لتعتكف معه " ، وهذا يشعر بأنها ضربتها بلا إذن وليس بمراد .

ففي رواية النسائي : ثم استأذنته حفصة فأذن لها ، وظهر من رواية البخاري أن استئذانها كان على لسان عائشة .

( وخباء زينب ) بنت جحش ، وفي رواية للبخاري : " فلما رأته زينب ضربت لها خباء آخر " ، وله في أخرى : " وسمعت بها زينب فضربت قبة أخرى " ، وعند أبي عوانة : " فلما رأته زينب ضربت معهن ، وكانت امرأة غيورا " ، قال الحافظ : ولم أقف في شيء من الطرق على أن زينب استأذنت ، وكأن هذا هو أحد ما بعث على الإنكار الآتي ، ووقع في رواية لمسلم وأبي داود : " فأمرت زينب بخبائها فضرب ، وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائها فضرب " ، وهذا يقتضي تعميم الأزواج وليس بمراد لتفسيرها في الروايات الأخرى بالثلاثة ، وبين ذلك قوله : " أربع قباب " ، وللنسائي إذا هو بأربعة أبنية .

( فلما رآها سأل عنها فقيل له : هذا خباء عائشة وحفصة وزينب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آلبر ) بهمزة استفهام ممدودة وبغير مد والنصب ، مفعول مقدم لقوله : ( تقولون ) أي تظنون ، والقول يطلق على الظن ، قال الأعشى :


أما الرحيل فدون بعد غد فمتى تقول الدار تجمعنا



( بهن ) أي ملتبسا بهن ، وهو المفعول الثاني ليقولون ، والخطاب للحاضرين من الرجال والنساء ، وفي رواية : آلبر يرون ( ثم انصرف فلم يعتكف ) ، وفي رواية لمسلم : فأمر بخبائه فقوض بضم القاف وكسر الواو ثقيلة فضاد معجمة أي نقض .

قال عياض : قال صلى الله عليه وسلم هذا الكلام إنكارا لفعلهن ، وقد كان أذن لبعضهن في ذلك ، وسبب إنكاره أنه خاف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف ، بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه أو لغيرته عليهن فكره [ ص: 313 ] ملازمتهن المسجد مع أنه يجمع الناس وتحضره الأعراب والمنافقون وهن محتاجات إلى الخروج والدخول لما يعرض لهن فيبتذلن بذلك ، أو لأنه رآهن عنده في المسجد وهو في معتكفه فصار كأنه في منزله لحضوره مع أزواجه ، وذهب المهم من مقصود الاعتكاف وهو التخلي عن الأزواج ومتعلقات الدنيا وشبه ذلك ، أو لأنهن ضيقن المسجد بأبنيتهن ، زاد الحافظ : أو لما أذن لعائشة وحفصة أولا خشي توارد بقية النسوة على ذلك فيضيق المسجد على المصلين . وفي رواية : فترك الاعتكاف ذلك الشهر .

( حتى اعتكف عشرا من شوال ) وفي رواية للبخاري : " فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال " ، وفي رواية مسلم : " حتى اعتكف في العشر الأول من شوال " ، وجمع الحافظ بأن المراد بقوله آخر العشر من شوال انتهاء اعتكافه ، قال الإسماعيلي : فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن أول شوال هو يوم العيد وصومه حرام ، وتعقب بأن المعنى كان ابتداؤه في العشر الأول وهو صادق بما إذا ابتدأ باليوم الثاني فلا دليل فيه لما قاله ، واستدل به المالكية على وجوب قضاء النفل لمن شرع فيه ثم أبطله ، وقال غيرهم : يقضى ندبا .

قال ابن عبد البر : أدخل مالك هذا الحديث في قضاء الاعتكاف لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد عزم على اعتكاف العشر الأواخر ، فلما رأى تنافس زوجاته في ذلك ، وخشي أن يدخل نياتهن داخلة انصرف ثم وفى لله بما نواه ، وفيه صحة اعتكاف النساء لإذنه صلى الله عليه وسلم لهن ، وإنما منعهن بعد ذلك لعارض ، ولولا ذلك لقطعت بأن اعتكافهن في المساجد لا يجوز ، وفيه أن المسجد شرط للاعتكاف لأن النساء شرع لهن الحجاب في البيوت ، فلو لم يكن المسجد شرطا ما وقع ما ذكر من الإذن والمنع ولاكتفي لهن بالاعتكاف في مساجد بيوتهن .

وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن يحيى عن عمرة عن عائشة ، قال الحافظ : وسقط عن عائشة في رواية النسفي والكشميهني وكذا هو في الموطآت كلها .

وأخرجه أبو نعيم في المستخرج عن عبد الله بن يوسف مرسلا ، وجزم بأن البخاري أخرجه عنه موصولا .

وقال الترمذي : رواه مالك وغير واحد عن يحيى مرسلا .

وقال الإسماعيلي : تابع مالكا على إرساله أنس بن عياض وحماد بن زيد على خلاف عنه ، زاد الدارقطني وعبد الوهاب الثقفي قال : ورواه الناس عن يحيى موصولا ، وأخرجه أبو نعيم عن عبيد الله بن نافع عن مالك موصولا انتهى .

ومر التعقب على قوله مرسل في الموطآت كلها ، وكأنه اكتفى بهؤلاء فلم يراجع أبا عمر .

( وسئل مالك عن رجل دخل المسجد لعكوف في العشر الأواخر من رمضان فأقام يوما أو يومين ثم مرض ) مرضا يشق عليه فيه المكث في المسجد ، ( فخرج من المسجد أيجب عليه أن يعتكف [ ص: 314 ] ما بقي من العشر إذا صح أم لا يجب ذلك عليه ؟ وفي أي شهر يعتكف إن وجب ذلك عليه فقال مالك : يقضي ما وجب عليه من عكوف ) بنذره أو الدخول فيه ، ( إذا صح في رمضان وغيره ) ، لكن إن كان في رمضان فبأي وجه أفطر لزمه قضاؤه لأنه صار مع رمضان كالعبادة الواحدة ، وكذا إن وجب صوم الاعتكاف في غير رمضان ، وإن كان صوم الاعتكاف تطوعا فأفطر ناسيا قضى عند مالك في المدونة ، وقال عبد الملك : لا قضاء .

وأما المنذور غير المعين فلا خلاف في وجوب قضائه وبمعين فحكم رمضان فيه على ما مر ، وفي غيره واستغرقه المانع فلا قضاء على ظاهر المذهب ، وإن لم يستغرقه وكان في آخر الاعتكاف بعد التلبس به فظاهر المدونة عليه القضاء ، وقال سحنون : لا قضاء ، قاله الباجي .

واستدل مالك لوجوب القضاء بقوله : ( وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد العكوف في رمضان ثم رجع فلم يعتكف حتى إذا ذهب رمضان اعتكف عشرا من شوال ) ، هو الحديث الذي أسنده أولا صحيحا ، فمن هنا ونحوه يعلم أنه يطلق البلاغ على الصحيح ، ولذا قال الأئمة : بلاغات مالك صحيحة .

( والمتطوع في الاعتكاف والذي عليه الاعتكاف أمرهما واحد فيما يحل لهما ويحرم عليهما ، ولم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اعتكافه إلا تطوعا ) ، وقد قضاه لما قطعه للعذر فيفيد وجوب قضاء الاعتكاف التطوع لمن قطعه بعد الدخول فيه ، وقول بعضهم إنما قضاه استحبابا لأنه لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال مدفوع ، فعدم النقل لا يستلزم عدم الفعل وقد يتأخرن عن شوال لعذر كحيض .

( قال مالك في المرأة إنها إذا اعتكفت ثم حاضت في اعتكافها أنها ترجع إلى بيتها ) وجوبا لحرمة مكثها في المسجد بالحيض ، ( فإذا طهرت رجعت إلى المسجد أية ساعة طهرت ثم تبني على ما مضى من اعتكافها ) قبل الحيض حتى تتم ما نوت أو نذرت ، ( ومثل ذلك المرأة يجب عليها صيام [ ص: 315 ] شهرين متتابعين ) لكفارة قتل أو فطر في رمضان ، ( فتحيض ثم تطهر فتبني على ما مضى من صيامها ولا تؤخر ذلك ) فإن أخرته استأنفت .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث