الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                [ ص: 198 ] الباب السادس

                                                                                                                في الجرح ، والتعديل ، والعدالة ، وتعرف أحوال الشهود

                                                                                                                العدالة - عندنا حق لله تعالى على الحاكم ، لا يجوز له أن يحكم بغير عدل وإن لم يطالبه الخصم بالعدالة ، وبه قال ( ش ) وابن حنبل ، وقال ( ح ) : العدالة حق للخصم ، فإذا علم أنهما مسلمان ظاهران حكم بهما ، ولا يحتاج للبحث عن عدالتهما إلا أن يجرحهما الخصم فيما سوى الحدود والقصاص ، لنا : إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - ، ( لأن رجلين شهدا عند عمر _ رضي الله عنه _ فقال : لا أعرفكما ، ولا يضركما أن لا أعرفكما ، جيآني بمن يعرفكما ، فجاءاه برجل ، فقال له : أتعرفهما ؟ قال : نعم ، قال كنت معهما في سفر يبين عن جواهر الناس ؟ قال : لا قال : فأنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما ؟ قال : لا ، قال : أعاملتهما بالدراهم والدنانير التي تقطع بها الأرحام ؟ قال : لا ، قال : يا ابن أخي ، ما تعرفهما ، جيآني بمن يعرفكما ) وهذا بحضرة الصحابة - رضي الله عنهم - لأنه لم يكن يحكم إلا بمحضرهم ، ولم يخالفه أحد فكان إجماعا ، والظاهر : أنه ما سأل عن تلك الأسباب من السفر وغيره إلا وقد عرف إسلامهما ؛ لأنه لم يقل : أتعرفهما مسلمين [ . . . ] وأن ذلك [ . . . ] تعجل الحكم واجب عند وجود الحجة ؛ لأن أحد الخصمين على سفر [ . . . ] على الفور ، والواجب لا [ ص: 199 ] يؤخر إلا للواجب ، وقوله تعالى : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) [ . . . ] لا يستشهد ، وقوله : ( منكم ) إشارة للمسلمين فلو كان الإسلام [ . . . ] مأخوذا من الاعتدال في الأقوال والأفعال والاعتقاد فهو وصف [ . . . ] الإسلام ، وقوله تعالى : ( ممن ترضون من الشهداء ) ورضا الحاكم بهم فرع معرفتهم ، وبالقياس على ما إذا سأله الخصم العدالة وطعن فيهم ، بجامع عدم ظهور أحوالهما ، وبالقياس على الحدود ، وقولهم الحدود حق لله ، والحاكم نائبه ، فطلب العدالة ، وفي حقوق الآدمي هي حقه فلم يتعين الحاكم ممنوع أن العدالة حق آدمي أصلا ، وكما لو قال له : احكم لي بقول كافرين فإنه حق لي ، أو بقول امرأة . احتجوا بقوله تعالى ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) ولم تشترط العدالة ، وبقول عمر _ رضي الله عنه _ : المسلمون عدول بعضهم على بعض ، إلا محدودا في حد ( وقبل رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ شهادة الأعرابي بعد أن قال له : أتشهد أن لا إله إلا الله ، وأني محمد رسول الله ) فلم يعتبر غير الإسلام ؛ ولأنه لو أسلم كافر بحضرتنا جاز قبول قوله مع أنه لم يتحقق منه إلا الإسلام ؛ ولأن البحث لا يؤدي إلى لحوق العدالة ، وإذا كان المقصود الظاهر فالإسلام كاف في ذلك ؛ لأنه أتم وأرجح ؛ ولأن صرف الصدقة بحوزها على ظاهر من غير [ ص: 200 ] بحث ، وعمومات النصوص والأوامر تحمل على ظواهرها من غير بحث ، فكذلك هاهنا ، ويتوضأ بالمياه ويصلي بالثياب بناء على الظاهر من غير بحث .

                                                                                                                والجـواب عن الأول : أنه مطلق فيقدم عليه النص المقيد ، وهو قوله تعالى : ( ذوي عدل منكم ) فقيل بالعدالة ، وقيل أيضا برضا الحكام والمسلمين ، وهو مشروط بالبحث ولأن الإسلام لا يكفي فيه ظاهر الدار ، فكذلك لا نكتفي بالإسلام في العدالة .

                                                                                                                وعن الثانـي : أنه يدل على اعتبار وصف العدالة ، لقوله : عدول ، فلو لم يكن معتبرا لسكت عنه ، وهو معارض بقوله : لا يؤسر مسلم بغير العدول ؛ ولأن ذلك كان في صدر الإسلام حيث العدالة غالبة ، بخلاف غيره .

                                                                                                                وعن الثالـث : أن السؤال عن الإسلام لا يدل على عدم سؤاله عن غيره فلعله سأل ، أو كان غير هذا الوصف معلوما عنده .

                                                                                                                وعن الرابـع : أن لا تقبل شهادته حتى تعلم سجاياه وجرأته على الكذب ، وإن قبلناه فذلك لتيقننا عدم ملابسته لما ينافي العدالة بعد إسلامه .

                                                                                                                وعن الخامـس : أنه باطل بالإسلام ، فإن البحث عنه لا يؤدي إلى يقين ، ويحكم الحاكم في القضية التي لا نص فيها ولا إجماع ، فإن بحثه لا يؤدي إلى يقين ، وأما الفقير فلا بد من البحث عنه ، ولأن الأصل هو الفقر بخلاف العالة ، بل من أنه هاهنا أن تعلم عدالته في الأصل ، فإنه لا يبحث عن مزيلها ، وكذلك أصل الماء الطهارة ، ولا يخرج عن ذلك إلا بتغير لونه أو طعمه أو ريحه ، وذلك معلوم بالقطع فلا حاجة إلى البحث ؛ ولأن الأصل الطهارة بخلاف العدالة [ . . . ] والأوامر [ . . . ] فإنا لا نكتفي بظاهرها بل لا بد من البحث عن الصارف والمخصص .

                                                                                                                [ ص: 201 ] و [ . . . ] الأعدل [ . . . ] على ظاهرها .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية