الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة الأنفال

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 484 ] سورة الأنفال

( وهي السورة الثامنة في العدد ، ووضعت موضع السابعة من السبع الطوال مع أنها من المثاني ، وهي دون المئين التي تلي الطوال ، لما سيأتي . وعدد آياتها 75 آية )

سورة الأنفال مدنية كلها كما روي عن الحسن وعكرمة وجابر بن زيد ، وعطاء وعبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت . وقال ابن عباس : إنها نزلت في بدر ، وفي لفظ : تلك سورة بدر ، وقيل : إنها مدنية إلا آية 64 ياأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين فقد روى البزار عن ابن عباس أنها نزلت لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فعلى هذا وضعت في سورة الأنفال ، وقرئت مع آياتها التي نزلت في التحريض على القتال في غزوة بدر لمناسبتها للمقام . وروي عن مقاتل استثناء قوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ( 30 ) الآية ; لأن موضوعها ائتمار قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم قبيل الهجرة ، بل في الليلة التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه بقصد الهجرة ، وباتا في الغار ، وهذا استنباط من المعنى ، وقد صح عن ابن عباس أن الآية نفسها نزلت في المدينة . وزاد بعضهم عنه استثناء خمس آيات أخرى بعد هذه الآية أي إلى الآية 35 للمعنى الذي ذكرناه آنفا ، وهو أن موضوعها حال كفار قريش في مكة ، وهذا لا يقتضي نزولها في مكة ، بل ذكر الله بها رسوله بعد الهجرة . وكل ما نزل بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا فهو مدني .

ووجه مناسبتها لسورة الأعراف : أنها في بيان حال خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم مع قومه ، وسورة الأعراف مبينة لأحوال أشهر الرسل مع أقوامهم ، هذا هو العمدة . وهناك تناسب خاص بين عدة آيات من السورتين يقوي هذا التناسب ، ولكنه لا يصح أن يكون شيء منه سببا للمقارنة بينهما ; لأن مثل هذا الاتفاق في بعض المعاني مكرر في أكثر السور الكبيرة ، وأنقل هنا عن روح المعاني ما نقله عن السيوطي في وضع هذه السورة هنا وما تعقبه به وهو : " والظاهر أن وضعها هنا توقيفي ، وكذا وضع براءة بعدها ، وهما من هذه الحيثية كسائر السور ، وإلى ذلك ذهب غير واحد كما مر في المقدمات ، وذكر الجلال السيوطي أن ذكر هذه السورة هنا ليس بتوقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم ، كما هو المرجح في سائر السور ، بل باجتهاد من عثمان رضي الله تعالى عنه ، وقد كان يظهر في بادئ الرأي أن المناسب إيلاء الأعراف بيونس وهود; لاشتراك كل في اشتمالها على قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأنها مكية النزول خصوصا أن الحديث [ ص: 485 ] ورد في فضل السبع الطوال ، وعدوا السابعة يونس وكانت تسمى بذلك كما أخرجه البيهقي في الدلائل ، ففي فصلها من الأعراف بسورتين فصل للنظير من سائر نظائره ، هذا مع قصر سورة الأنفال بالنسبة إلى الأعراف وبراءة ، وقد استشكل ذلك قديما حبر الأمة رضي الله تعالى عنه ، فقال لعثمان رضي الله تعالى عنه : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا البسملة بينهما ووضعتموها في السبع الطوال ؟ ثم ذكر جواب عثمان رضي الله تعالى عنه ، وقد أسلفنا الخبر بطوله سؤالا وجوابا ثم قال : وأقول : ينم مقصد عثمان رضي الله تعالى عنه في ذلك بأمور فتح الله تعالى بها : ( الأول ) أنه جعل الأنفال قبل براءة مع قصرها ؛ لكونها مشتملة على البسملة ، فقدمها لتكون كقطعة منها ومفتتحها ، وتكون براءة - لخلوها من البسملة - كتتمتها وبقيتها ، ولهذا قال جماعة من السلف إنها سورة واحدة .

( الثاني ) وضع براءة هنا لمناسبة الطول فإنه ليس بعد الست السابقة سورة أطول منها ، وذلك كاف في المناسبة .

( الثالثة ) أنه خلل بالسورتين أثناء السبع الطوال المعلوم ترتيبها في العصر الأول للإشارة إلى أن ذلك أمر صادر لا عن توقيف ، وإلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يبين كلتيهما ، فوضعا هنا كالوضع المستعار بخلاف ما لو وضعا بعد السبع الطوال فإنه كان يوهم أن ذلك محلهما بتوقيف ، ولا يتوهم هذا على هذا الوضع ، للعلم بترتيب السبع ، فانظر إلى هذه الدقيقة التي فتح الله تعالى بها ، ولا يغوص عليها إلا غواص .

( الرابع ) أنه لو أخرهما وقدم يونس ، وأتى بعد " براءة " بهود كما في مصحف أبي; لمراعاة مناسبة السبع ، وإيلاء بعضها بعضا لفات مع ما أشرنا إليه أمر آخر آكد في المناسبة ، فإن الأولى بسورة يونس أن يؤتى بالسور الخمس التي بعدها لما اشتركت فيه من المناسبات من القصص ، والافتتاح بـ " الر " ، وبذكر الكتاب ، ومن كونها مكيات ، ومن تناسب ما عدا الحجر في المقدار ، ومن التسمية باسم نبي ، والرعد اسم ملك ، وهو مناسب لأسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . فهذه عدة مناسبات للاتصال بين يونس وما بعدها ، وهي آكد من هذا الوجه الواحد في تقديم يونس بعد الأعراف . ولبعض هذه الأمور قدمت سورة الحجر على النحل مع كونها أقصر منها ، ولو أخرت براءة عن هذه السور الست لبعدت المناسبة جدا لطولها بعد عدة سور أقصر منها بخلاف وضع سورة النحل بعد الحجر ، فإنها ليست كبراءة في الطول .

" ويشهد لمراعاة الفواتح في مناسبة الوضع ما ذكرناه من تقديم الحجر على النحل لمناسبة ( الر ) قبلها ، وما تقدم من تقديم آل عمران على النساء ، وإن كانت أقصر منها لمناسبتها البقرة في الافتتاح بـ " الم " وتوالي الطواسين والحواميم ، وتوالي العنكبوت والروم ولقمان والسجدة [ ص: 486 ] لافتتاح كل : " الم " ولهذا قدمت السجدة على الأحزاب التي هي أطول منها . هذا ما فتح الله به علي .

" ثم ذكر أن ابن مسعود رضي الله عنه قدم في مصحفه البقرة والنساء وآل عمران والأعراف والأنعام والمائدة ويونس ، راعى السبع الطوال فقدم الأطول منها فالأطول ، ثم ثنى بالمئين ، فقدم براءة ثم النحل ثم هودا ثم يوسف ثم الكهف وهكذا الأطول فالأطول ، وجعل الأنفال بعد النور ، ووجه المناسبة أن كلا مدنية ومشتملة على أحكام ، وأن في النور : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ( 24 : 55 ) الآية ، وفي الأنفال : واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ( 8 : 26 ) إلخ . ولا يخفى ما بين الآيتين من المناسبة ، فالأولى مشتملة على الوعد بما حصل ، وذكر به في الثانية فتأمل . انتهى كلام السيوطي .

( الآلوسي ) " وأقول : قد من الله تعالى على هذا العبد الحقير ، بما لم يمن به على هذا المولى الجليل ، والحمد لله تعالى على ذلك حيث أوقفني سبحانه على وجه مناسبة هذه السورة لما قبلها ، وهو لم يبين ذلك ، ثم ما ذكره من عدم التوقيف في هذا الوضع في غاية البعد كما يفهم مما قدمناه في المقدمات ، وسؤال الحبر وجواب عثمان رضي الله تعالى عنهما ليسا نصا في ذلك ، وما ذكره - عليه الرحمة - في أول الأمور التي فتح الله تعالى بها عليه غير ملائم بظاهره ظاهر سؤال الحبر رضي الله تعالى عنه ، حيث أفاد أن إسقاط البسملة من براءة اجتهادي أيضا ، ويستفاد مما ذكره خلافه ، وما ادعاه من أن يونس سابعة السبع الطوال ليس أمرا مجمعا عليه ، بل هو قول مجاهد وابن جبير ورواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وفي رواية عند الحاكم أنها الكهف ، وذهب جماعة - كما قال في إتقانه - إلى أن السبع الطوال أولها البقرة وآخرها براءة واقتصر ابن الأثير في النهاية على هذا .

وعن بعضهم أن السابعة الأنفال وبراءة بناء على القول بأنهما سورة واحدة ، وقد ذكر ذلك الفيروزأبادي في قاموسه ، وما ذكره من الأمر الثاني يعني عنه ما علل به عثمان رضي الله تعالى عنه ، فقد أخرج النحاس في ناسخه عنه أنه قال : كانت الأنفال وبراءة يدعيان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم القرينتين ؛ فلذلك جعلتهما في السبع الطوال ، وما ذكره من مراعاة الفواتح في المناسبة غير مطرد ، فإن الجن والكافرون والإخلاص مفتتحات بـ " قل " مع الفصل بعدة سور بين الأولى والثانية ، والفصل بسورتين بين الثانية والثالثة ، وبعد هذا كله لا يخلو ما ذكره عن نظر كما لا يخفى على المتأمل فتأمل . انتهى ما ذكره الألوسي رحمه الله تعالى .

[ ص: 487 ] وأقول: إن جواب عثمان لابن عباس رضي الله عنهما هو كما رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاثة ، وابن حبان والحاكم " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا من كان يكتب يقول : ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا . وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها . فظننت أنها منها ، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها . فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتهما في السبع الطوال " اه .

ولأجل هذه الرواية ذهب البيهقي إلى أن ترتيب جميع السور توقيفي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا الأنفال وبراءة ، ووافقه السيوطي . ويرد عليه أنه لا يعقل أن يرتب النبي صلى الله عليه وسلم جميع السور إلا الأنفال وبراءة ، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن كله في رمضان على جبريل عليه السلام مرة واحدة من كل عام فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه بالقرآن مرتين ، فأين كان يضع هاتين السورتين في قراءته ؟ التحقيق أن وضعهما في موضعهما توقيفي وإن فات عثمان أو نسيه ، ولولا ذلك لعارضه الجمهور أو ناقشوه فيه عند كتابة القرآن كما روي عن ابن عباس بعد سنين من جمعه ونشره في الأقطار .

وهذا الحديث قال الترمذي حسن لا نعرفه إلا من حديث عوف بن أبي جميلة عن يزيد الفارسي عن ابن عباس ، ويزيد الفارسي هذا غير مشهور اختلفوا فيه هل هو يزيد بن هرمز أو غيره ؟ والصحيح أنه غيره ، روى عن ابن عباس ، وحكى عن عبد الله بن زياد وكان كاتبه ، وعن الحجاج بن يوسف في أمر المصاحف ، وسئل عنه يحيى بن معين فلم يعرفه ، وقال أبو حاتم : لا بأس به ، انتهى ملخصا من تهذيب التهذيب .

فمثل هذا الرجل لا يصح أن تكون روايته التي انفرد بها مما يؤخذ به في ترتيب القرآن المتواتر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث