الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين

قوله تعالى : " ولقد خلقنا الإنسان " يعني آدم " من صلصال " وفيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه الطين اليابس الذي لم تصبه نار ، فإذا نقرته صل ، فسمعت له صلصلة ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، وأبو عبيدة ، وابن قتيبة .

والثاني : أنه الطين المنتن ، قاله مجاهد ، والكسائي ، وأبو عبيد . ويقال : صل اللحم : إذا تغيرت رائحته .

والثالث : أنه طين خلط برمل ، فصار له صوت عند نقره ، قاله الفراء .

فأما الحمأ ، فقال أبو عبيدة : هو جمع حمأة ، وهو الطين المتغير . وقال ابن الأنباري : لا خلاف أن الحمأ : الطين الأسود المتغير الريح . وروى السدي عن أشياخه قال : بل التراب حتى صار طينا ، ثم ترك حتى أنتن وتغير .

[ ص: 398 ] وفي المسنون أربعة أقوال :

أحدها : المنتن أيضا ، رواه مجاهد عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وقتادة في آخرين . قال ابن قتيبة : المسنون : المتغير الرائحة .

والثاني : أنه الطين الرطب ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

والثالث : أنه المصبوب ، قاله أبو عمرو بن العلاء ، وأبو عبيد .

والرابع : أنه المحكوك ، ذكره ابن الأنباري ، قال : فمن قال : المسنون : المنتن ، قال : هو من قولهم : قد تسنى الشيء : إذا أنتن ، ومنه قوله تعالى : لم يتسنه [البقرة :259] ، وإنما قيل له : مسنون ، لتقادم السنين عليه . ومن قال : الطين الرطب ، قال : سمي مسنونا ، لأنه يسيل وينبسط ، فيكون كالماء المسنون المصبوب . ومن قال : المصبوب ، احتج بقول العرب : قد سننت علي الماء : إذا صببته . ويجوز أن يكون المصبوب على صورة ومثال ، من قوله : رأيت سنة وجهه ، أي : صورة وجهه ، قال الشاعر :


تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب



ومن قال : المحكوك ، احتج بقول العرب : سننت الحجر على الحجر : إذا حككته عليه . وسمي المسن مسنا ، لأن الحديد يحك عليه . قال : وإنما كررت " من " لأن الأولى متعلقة بـ " خلقنا " والثانية متعلقة بالصلصال ، تقديره : ولقد خلقنا الإنسان من الصلصال الذي هو من حمإ مسنون .

قوله تعالى : " والجان " فيه ثلاثة أقوال :

[ ص: 399 ] أحدها : أنه مسيخ الجن ، كما أن القردة والخنازير مسيخ الإنس ، رواه عكرمة عن ابن عباس .

والثاني : أنه أبو الجن ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وروى عنه الضحاك أنه قال : الجان أبو الجن ، وليسوا بشياطين ، والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس ، والجن يموتون ، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر .

والثالث : أنه إبليس ، قاله الحسن ، وعطاء ، وقتادة ، ومقاتل .

فإن قيل : أليس أبو الجن هو إبليس ؟ فعنه جوابان :

أحدهما : أنه هو ، فيكون هذا القول هو الذي قبله .

والثاني : أن الجان أبو الجن ، وإبليس أبو الشياطين ، فبينهما إذا فرق على ما ذكرناه عن ابن عباس . قال العلماء : وإنما سمي جانا ، لتواريه عن العيون .

قوله تعالى : " من قبل " يعني : قبل خلق آدم " من نار السموم " ، [ ص: 400 ] وقال ابن مسعود : من نار الريح الحارة ، وهي جزء من سبعين جزءا من نار جهنم . والسموم في اللغة : الريح الحارة وفيها نار ، قال ابن السائب : وهي نار لا دخان لها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث