الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الفصل الرابع : حكم من فعل ذلك دون قصد

قال القاضي : تقدم الكلام في قتل القاصد لسبه ، والإزراء به وغمصه بأي وجه كان من ممكن أو محال ، فهذا وجه بين لا إشكال فيه .

الوجه الثاني : لاحق به في البيان والجلاء ، وهو أن يكون القائل لما قال في جهته - صلى الله عليه وسلم - غير قاصد للسب والإزراء ، ولا معتقد له ، ولكنه تكلم في جهته - صلى الله عليه وسلم - بكلمة الكفر ، من لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه ، أو نفي ما يجب له مما هو في حقه - صلى الله عليه وسلم - نقيصة ، مثل أن ينسب إليه إتيان كبيرة ، أو مداهنة في تبليغ الرسالة ، أو في حكم بين الناس ، أو يغض من مرتبته ، أو شرف نسبه ، أو وفور علمه أو زهده ، أو يكذب بما اشتهر من أمور أخبر بها - صلى الله عليه وسلم - ، وتواتر الخبر بها عنه عن قصد لرد خبره ، أو يأتي بسفه من القول ، وقبيح من الكلام ، ونوع من السب في جهته ، وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ذمه ، ولم يقصد سبه ، إما لجهالة حملته على ما قاله ، أو لضجر أو سكر اضطره إليه ، أو قلة مراقبة وضبط للسانه وعجرفة وتهور في كلامه ، فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم ، إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ، ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشيء [ ص: 552 ] مما ذكرناه ، إذ كان عقله في فطرته سليما ، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .

وبهذا أفتى الأندلسيون على ابن حاتم في نفيه الزهد عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - الذي قدمناه .

وقال محمد بن سحنون في المأسور يسب النبي - صلى الله عليه وسلم - في أيدي العدو : يقتل إلا أن يعلم تبصره أو إكراهه .

وعن أبي محمد بن أبي زيد : لا يعذر بدعوى زلل اللسان في مثل هذا .

وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن شتم النبي - صلى الله عليه وسلم - في سكره : يقتل ، لأنه يظن به أنه يعتقد هذا ويفعل في صحوه .

وأيضا فإنه حد لا يسقطه السكر ، كالقذف ، والقتل ، وسائر الحدود ، لأنه أدخله على نفسه ، لأن من شرب الخمر على علم من زوال عقله بها ، وإتيان ما ينكر منه ، فهو كالعامد لما يكون بسببه .

وعلى هذا ألزمناه الطلاق والعتاق والقصاص والحدود .

ولا يعترض على هذا بحديث حمزة وقوله للنبي - صلى الله عليه وسلم - : وهل أنتم إلا عبيد لأبي ! .

قال : فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ثمل فانصرف ، لأن الخمر كانت حينئذ غير محرمة ، فلم يكن في جناياتها إثم ، وكان حكم ما يحدث عنها معفوا عنه كما يحدث من النوم ، وشرب الدواء المأمون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث