الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1511 [ ص: 75 ] هلال بن أسامة .

وهو هلال بن أبي ميمونة
، قال مصعب : هو مولى عامر بن لؤي .

قال أبو عمر : روى عنه مالك فقال : هلال بن أسامة ، وروى عنه يحيى بن أبي كثير وزياد بن سعد فقالا : هلال بن أبي ميمونة ، وروى عنه فليح بن سليمان فقال : هلال بن علي ، وقيل : إنه هلال بن علي بن أسامة ، وأبوه يكنى أبا ميمونة ، وبه يعرف بالكنية ، وهو بها أشهر . لمالك عنه حديث واحد اختصره من حديثه الطويل .

مالك عن هلال بن أسامة ، عن عطاء بن يسار ، عن عمر بن الحكم أنه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، إن لي جارية كانت ترعى غنما لي ، فجئتها وقد فقدت شاة ، فسألتها عنها فقالت : أكلها الذئب . فأسفت عليها وكنت من بني آدم فلطمت حر وجهها وعلي رقبة ، أفأعتقها ؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أين الله ؟ فقالت : في السماء ، فقال : من أنا ؟ فقالت : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أعتقها .

[ ص: 76 ]

التالي السابق


[ ص: 76 ] هكذا قال مالك في هذا الحديث عن هلال عن عطاء عن عمر بن الحكم لم يختلف الرواة عنه في ذلك ، وهو وهم عند جميع أهل العلم بالحديث ، وليس في الصحابة رجل يقال له عمر بن الحكم ، وإنما هو معاوية بن الحكم ، كذلك قال فيه كل من روى هذا الحديث عن هلال وغيره ، ومعاوية بن الحكم معروف في الصحابة ، وحديثه هذا معروف له ، وقد ذكرناه في الصحابة ونسبناه فأغنانا عن ذكر ذلك هاهنا .

وأما عمر بن الحكم فهو من التابعين ، وهو عمر بن الحكم بن أبي الحكم ، وهو من بني عمرو بن عامر من الأوس ، وقيل : بل هو حليف لهم ، وكان من ساكني المدينة ، توفي بها سنة سبع عشرة ومائة ، وهو عم والد عبد الحميد بن جعفر الأنصاري وعمر بن الحكم بن سنان ، لأبيه صحبة ، وعمر بن الحكم بن ثوبان ، هؤلاء ثلاثة من التابعين كلهم يسمى عمر بن الحكم ، وهم مدنيون وليس فيهم من له صحبة ، ولا من يروي عنه عطاء بن يسار ، وليس في الصحابة أحد يسمى عمر بن الحكم ، وإنما هذا معاوية بن الحكم لا شك فيه .

حدثنا محمد بن إبراهيم قال : حدثنا محمد بن أحمد قال : حدثنا محمد بن أيوب قال سمعت أحمد بن عمر والبزار يقول : روى مالك عن هلال بن أبي ميمونة ، عن عطاء بن يسار ، عن عمر بن الحكم السلمي ، أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فوهم فيه ، وإنما الحديث لعطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي . قال أبو بكر : وليس أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقال له عمر بن الحكم .

وقال أحمد بن خالد : ليس أحد يقول فيه : عمر بن الحكم غير مالك وهم فيه .

[ ص: 77 ] وكذلك رواه أصحابه جميعا عنه قال : وإنما يقول ذلك مالك في حديثه عن هلال بن أسامة ، وقد رواه عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة عن معاوية بن الحكم السلمي كما رواه الناس .

قال أبو عمر : حديثه هذا من رواية يحيى عن مالك مختصر من حديث فيه طول ، وقد ذكره بأكمل من هذا عن مالك قوم منهم عبد الله بن يوسف وابن بكير ، وكذلك رواه قتيبة أيضا والشافعي عن مالك بتمامه فيه ذكر الكهان والطيرة ، وقد روى مالك بعض ذلك الحديث عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن معاوية بن الحكم السلمي ، فذكر أمر الكهان ( ولم يذكر أمر الجارية ، وقال فيه في روايته عن ابن شهاب معاوية بن الحكم ) والطيرة كما قال الناس ، وإنما قال مالك : عمر بن الحكم في حديثه عن هلال بن أسامة ، ولم يتابعه أحد على ذلك ، وكل من رواه عن هلال قال فيه معاوية بن الحكم ، وهو الصواب ، وبالله التوفيق .

قرأت على أحمد بن عبد الله بن محمد أن الميمون بن حمزة الحسيني حدثهم قال : حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال : حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني قال : حدثنا الشافعي قال : أخبرنا مالك ، عن هلال بن أسامة ، عن عطاء بن يسار ، عن عمر بن الحكم أنه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، إن جارية لي كانت ترعى غنما لي فجئتها وقد فقدت شاة من الغنم فسألتها عنها ، فقالت : أكلها الذئب . فأسفت عليها وكنت امرأ من بني آدم فلطمت وجهها وعلي رقبة ، أفأعتقها ؟ قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أين الله ؟ قالت : في السماء . قال : فمن أنا ؟ قالت : أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر : [ ص: 78 ] يا رسول الله ، أشياء كنا نصنعها في الجاهلية : كنا نأتي الكهان ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فلا تأتوا الكهان ، قال عمر : وكنا نتطير ، قال : إنما ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم .

قال الطحاوي : سمعت المزني يقول : قال الشافعي : مالك بن أنس يسمي هذا الرجل عمر بن الحكم ، وإنما هو معاوية بن الحكم . قال الطحاوي وهو كما قال الشافعي ، وقال الطحاوي : وقال مالك : هلال بن أسامة ، وإنما هو هلال بن علي ، غير أن قائلا قال : هو هلال بن علي بن أسامة ، فإن كان كذلك فإنما نسبه مالك إلى جده .

حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد ، حدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا مالك عن هلال بن أسامة ، عن عطاء بن يسار ، عن عمر بن الحكم أنه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، إن لي جارية كانت ترعى غنما فجئتها ففقدت شاة من الغنم ، فسألتها عنها فقالت : أكلها الذئب ، فأسفت عليها وكنت من بني آدم فلطمت وجهها وعلي رقبة ، أفأعتقها ؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أين الله ؟ قالت : في السماء ، قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله ، قال : أعتقها ، فقال عمر : يا رسول الله ، أشياء كنا نصنعها في الجاهلية ، كنا نأتي الكهان ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تأتوا الكهان ، قال : وكنا نتطير ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يضركم .

حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال : حدثني أبي قال : حدثنا الحسن بن عبد الله الزبيدي قال : حدثنا أبو محمد بن عبد الله بن الجارود قال : أخبرنا عبد الله بن عبد الحكم أن ابن وهب أخبره قال : أخبرنا مالك عن هلال بن أسامة ، عن عطاء بن يسار ، عن عمر بن الحكم ، أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث .

[ ص: 79 ] قال أبو محمد بن الجارود : وكذلك حدثناه محمد بن يحيى ، عن مطرف ، عن مالك ، عن هلال ، عن عطاء ، عن عمر بن الحكم : قال أبو محمد : وليس هو عمر بن الحكم ، إنما هو معاوية بن الحكم ، وهو خطأ من مالك وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال : حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن معاوية بن الحكم أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الطيرة ، فقال : شيء يجده أحدكم فلا يصدنكم .

وأخبرنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو الطاهر عن ابن وهب قال : أخبرني مالك بن أنس وابن أبي ذئب ويونس بن يزيد وابن سمعان عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن معاوية بن الحكم السلمي قال : قلت يا رسول الله ، أمور كنا نصنعها في الجاهلية ، كنا نأتي الكهان قال : فلا تأتوا الكهان . قال : قلت كنا نتطير ، قال : ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم ، فهذا مالك يقول في هذا الحديث : عن ابن شهاب عن معاوية بن الحكم كما سمعه منه وحفظه عنه ، ولو سمعه كذلك من هلال لأداه كذلك ، والله أعلم ، وربما كان هذا من هلال إلا أن جماعة رووه عن هلال فقالوا فيه : معاوية بن الحكم ، والله أعلم .

حدثنا محمد بن عبد الملك وعبيد بن محمد قالا : حدثنا عبد الله بن مسرور قال : حدثنا عيسى بن مسكين ، وأخبرنا قاسم بن محمد قال : حدثنا خالد بن سعد قال : حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور قالا : حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني قال : حدثنا أبو المغيرة قال : حدثنا الأوزاعي قال : حدثني [ ص: 80 ] يحيى بن أبي كثير ، عن هلال بن أبي ميمونة ، عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم قال : قلت يا رسول الله ، إنا كنا حديث عهد بجاهلية فجاء الله بالإسلام ، وإن رجالا منا يتطيرون ، قال : ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يضرهم ، قال : يا رسول الله ، ورجالا منا يأتون الكهان ، قال : فلا تأتوهم ، قال : يا رسول الله ، ورجالا منا يخطون ، قال : كان نبي الله يخط ، فمن وافق خطه فذاك .

قال : وبينا أنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة عطس رجل من القوم ، فقلت : يرحمك الله ، فحذفني القوم بأبصارهم ، فقلت : أمياه ، إنكم تنظرون إلي ؟ قال : فضربوا على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يسكتوني لكني سكت ، قال : فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ، والله ما ضربني ، ولا كهرني ، ولا سبني ، ولكن قال : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن . قال : ثم اطلعت غنيمة لي ترعاها جارية لي في ناحية أحد فوجدت الذئب قد أصاب منها شاة وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون ، فصككتها صكة ، ثم انصرفت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فعظم علي ، قال فقلت : يا رسول الله ، فهلا أعتقها ؟ قال : ائتيني بها ، قال : فجئت بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لها : أين الله ؟ فقالت : في السماء ، فقال : من أنا ؟ فقالت : أنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إنها مؤمنة فأعتقها
.

قال أبو عمر : معاني هذا الحديث واضحة يستغنى عن الكلام فيها ، وأما قوله : " أين الله ؟ فقالت : في السماء " فعلى هذا أهل الحق لقول الله - عز وجل - [ ص: 81 ] ( أأمنتم من في السماء ) ، ولقوله : ( إليه يصعد الكلم الطيب ) ، ولقوله : ( تعرج الملائكة والروح إليه ) ، ومثل هذا في القرآن كثير قد أتينا عليه في باب ابن شهاب في حديث النزول ، وفيه رد على المعتزلة وبيان لتأويل قول الله - عز وجل - : ( الرحمن على العرش استوى ) ، ولم يزل المسلمون في كل زمان إذا دهمهم أمر وكربهم غم يرفعون وجوههم وأيديهم إلى السماء رغبة إلى الله - عز وجل - في الكف عنهم .

حدثنا أحمد بن عمر ، حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أحمد بن خالد ، حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا أبو عبيد قال : سمعت ابن علية يحدث عن سعيد الجريري قال : حدثت أن أبا الدرداء ترك الغزو عاما فأعطى رجلا صرة فيها دراهم ، فقال : انطلق ، فإذا رأيت رجلا يسير من القوم ناحية في هيئته بذاذة فادفعها إليه ، قال : ففعل فرفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم لم تنس حديدا ، فاجعل حديدا لا ينساك ، قال : فرجع الرجل إلى أبي الدرداء فأخبره ، فقال : ولي النعمة ربها . وقد مضى في هذا المعنى ما فيه كفاية وبيان في باب ابن شهاب ، عن أبي عبد الله الأغر وأبي سلمة من هذا الكتاب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث