الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الحج عن الغير

جزء التالي صفحة
السابق

باب الحج عن الغير الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوما أو صدقة أو غيرها عند أهل السنة والجماعة ، لما روي { عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه [ ص: 143 ] والآخر عن أمته ممن أقر بوحدانية الله تعالى وشهد له بالبلاغ } جعل تضحية إحدى الشاتين لأمته .

والعبادات أنواع : مالية محضة كالزكاة ، وبدنية محضة كالصلاة ، ومركبة منهما كالحج ، والنيابة تجري في النوع الأول في حالتي الاختيار والضرورة [ ص: 144 ] لحصول المقصود بفعل النائب ، ولا تجري في النوع الثاني بحال لأن المقصود وهو إتعاب النفس لا يحصل به ، وتجري في النوع الثالث عند العجز للمعنى الثاني وهو المشقة بتنقيص المال ، ولا تجري عند القدرة لعدم إتعاب النفس ، والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت لأن الحج فرض العمر ، وفي الحج النفل تجوز الإنابة حالة القدرة لأن باب النفل أوسع ، ثم ظاهر المذهب أن الحج يقع عن المحجوج عنه [ ص: 145 ] وبذلك تشهد الأخبار الواردة في الباب كحديث الخثعمية فإنه صلى الله عليه وسلم قال فيه { حجي عن أبيك واعتمري } .

وعن محمد رحمه الله : أن الحج يقع عن الحاج ، وللآمر ثواب النفقة لأنه عبادة بدنية ، وعند العجز أقيم [ ص: 146 - 149 ] الإنفاق مقامه كالفدية في باب الصوم .

[ ص: 142 ]

التالي السابق


[ ص: 142 ] ( باب الحج عن الغير )

إدخال اللام على غير غير واقع على وجه الصحة بل هو ملزوم الإضافة ، ولما كان الأصل كون عمل الإنسان لنفسه لا لغيره قدم ما تقدم ( قوله أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوما عند أهل السنة والجماعة ) لا يراد به أن الخلاف بيننا وبينهم في أن له ذلك أو ليس له كما هو ظاهره ، بل في أنه ينجعل بالجعل أولا بل يلغو جعله ( قوله أو غيرها ) كتلاوة القرآن والأذكار ( قوله عند أهل السنة والجماعة ) ليس المراد أن المخالف لما ذكر خارج عن أهل السنة والجماعة ، فإن مالكا والشافعي رضي الله عنهما لا يقولان بوصول العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة بل غيرها كالصدقة والحج ، بل المراد أن أصحابنا لهم كمال الاتباع والتمسك ما ليس لغيرهم ، فعبر عنهم باسم أهل السنة فكأنه قال عند أصحابنا غير أن لهم وصفا عبر عنهم به .

وخالف في كل العبادات المعتزلة وتمسكوا بقوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } وسعي غيره ليس سعيه ، وهي وإن كانت مسوقة قصا لما [ ص: 143 ] في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام فحيث لم يتعقب بإنكار كان شريعة لنا على ما عرف . والجواب أنها وإن كانت ظاهرة فيما قالوه لكن يحتمل أنها نسخت أو مقيدة ، وقد ثبت ما يوجب المصير إلى ذلك وهو ما رواه المصنف وما في الصحيحين { أنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته } . والملحة بياض يشوبه شعرات سود .

وفي سنن ابن ماجه بسنده عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما { أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحي يشتري كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين ، فذبح أحدهما عن أمته ممن شهد لله بالوحدانية وله بالبلاغ ، وذبح الآخر عن محمد وآل محمد } ورواه أحمد والحاكم والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه .

وأخرج أبو نعيم في ترجمة ابن المبارك عنه عن يحيى بن عبد الله عن أبيه سمعت أبا هريرة يقول { ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين موجوءين فلما وجههما قال : { إني وجهت وجهي } الآية ، اللهم لك ومنك عن محمد وأمته ، باسم الله والله أكبر ، ثم ذبح } ورواه الحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم بنقص في المتن .

ورواه ابن أبي شيبة عن جابر { أنه صلى الله عليه وسلم أتى بكبشين أملحين عظيمين أقرنين موجوءين ، فأضجع أحدهما وقال : بسم الله والله أكبر ، اللهم عن محمد وآل محمد ، ثم أضجع الآخر وقال : باسم الله والله أكبر ، اللهم عن محمد وأمته ممن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ } وكذا رواه إسحاق وأبو يعلى في مسنديهما . وروي هذا المعنى من حديث أبي رافع رواه أحمد وإسحاق والطبراني والبزار والحاكم . ومن حديث حذيفة بن أسيد الغفاري أخرجه الحاكم في الفضائل .

ومن حديث أبي طلحة الأنصاري رواه ابن أبي شيبة ومن طريقه ، رواه أبو يعلى والطبراني .

ومن حديث أنس بن مالك رواه ابن أبي شيبة أيضا والدارقطني ، فقد روي هذا عن عدة من الصحابة وانتشرت مخرجوه ، فلا يبعد أن يكون القدر المشترك وهو أنه ضحى عن أمته مشهورا يجوز تقييد الكتاب به بما لم يجعله صاحبه ، أو ننظر إليه وإلى ما رواه الدارقطني { أن رجلا سأله صلى الله عليه وسلم فقال : كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما ؟ فقال له صلى الله عليه وسلم : إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك ، وتصوم لهما مع صيامك } وإلى ما رواه أيضا عن علي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال { من مر على المقابر وقرأ { قل هو الله أحد } إحدى عشرة مرة ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات } وإلى ما { عن أنس أنه سأله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا نتصدق عن موتانا ونحج عنهم وندعو لهم فهل يصل ذلك إليهم ؟ قال : نعم ، إنه ليصل إليهم وإنهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه } رواه أبو حفص الكبير العكبري .

وعنه صلى الله عليه وسلم { اقرءوا على موتاكم يس } رواه أبو داود . فهذه الآثار وما قبلها وما في السنة أيضا من نحوها عن كثير قد تركناه لحال الطول يبلغ القدر المشترك بين الكل ، وهو أن من جعل شيئا من الصالحات لغيره نفعه الله به مبلغ [ ص: 144 ] التواتر ، وكذا ما في كتاب الله تعالى من الأمر بالدعاء للوالدين في قوله تعالى { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } ومن الإخبار باستغفار الملائكة للمؤمنين قال تعالى { والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض } وقال تعالى في آية أخرى { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا } وساق عبارتهم { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } إلى قوله { وقهم السيئات } قطعي في حصول الانتفاع بعمل الغير فيخالف ظاهر الآية التي استدلوا بها ، إذ ظاهرها أنه لا ينفع استغفار أحد لأحد بوجه من الوجوه لأنه ليس من سعيه فلا يكون له منه شيء فقطعنا بانتفاء إرادة ظاهرها على صرافته فتتقيد بما لم يهبه العامل وهو أولى من النسخ ، أما أولا فلأنه أسهل إذ لم يبطل بعد الإرادة ، وأما ثانيا فلأنها من قبيل الإخبارات ولا يجري النسخ في الخبر ، وما يتوهم جوابا من أنه تعالى أخبر في شريعة إبراهيم وموسى عليهما السلام أن لا يجعل الثواب لغير العامل ثم جعله لمن بعدهم من أهل شريعتنا حقيقة مرجعه إلى تقييد الإخبار لا إلى النسخ إذ حقيقته أن يراد المعنى ثم ترفع إرادته ، وهذا تخصيص بالإرادة بالنسبة إلى أهل تلك الشرائع ولم يقع نسخ لهم ، ولم يرد الإخبار أيضا في حقنا ثم نسخ .

وأما جعل اللام في للإنسان بمعنى على فبعيد من ظاهرها ومن سياق الآية أيضا ، فإنها وعظ للذي تولى وأعطى قليلا وأكدى ، وقد ثبت في ضمن إبطالنا لقول المعتزلة انتفاء قول الشافعي ومالك رحمهما الله في العبادات البدنية بما في الآثار ، والله سبحانه هو الموفق ( قوله لحصول المقصود ) [ ص: 145 ] المقصود الأصلي من التكاليف الابتلاء ليظهر من المكلف ما سبق العلم الأزلي بوقوعه منه من الامتثال بالصبر على ما أمر به تاركا هوى نفسه لإقامة أمر ربه سبحانه وتعالى فيثاب .

أو المخالفة فيعفى عنه ، أو يعاقب فتتحقق بذلك آثار صفاته تعالى فإنه تعالى اقتضت حكمته الباهرة وكمال فضله وإحسانه أن لا يعذب بما علم أنه سيقع من المخالفة قبل ظهوره عن اختيار المكلف . ثم من التكاليف العبادات وهي بدنية ومالية ومركبة منهما ، والمشقة في البدنية تقيد الجوارح والنفس بالأفعال المخصوصة في مقام الخدمة .

وفي المالية في تنقيص المال المحبوب للنفس ، وفيها مقصود آخر وهو سد خلة المحتاج ، والمشقة فيها ليس به بل بالتنقيص فكل ما تضمن المشقة لا يخرج عن عهدته إلا بفعله بنفسه إذ بذلك يتحقق مقصود الابتلاء والاختبار فلذا لم تجز النيابة في البدنية لأن فعل غيره لا يتحقق به الإشفاق على نفسه بمخالفة هواها بالصبر عليه .

وأما المالية فما فيه المشقة من أحد مقصود بها وهو تنقيص المال بإخراجه لم تجز فيه النيابة ولا يقوم به غيره إذ لا بد من إذنه . والواقع من النائب ليس إلا المناولة للفقير ، وبه يحصل المقصود الآخر الذي هو من حيث هو لا مشقة به على المالك . وعلى هذا كان مقتضى القياس أن لا تجري النيابة في الحج لتضمنه المشقتين البدنية والمالية ، والأولى لم تقم بالآمر لكنه تعالى رخص في إسقاطه بتحمل المشقة الأخرى : أعني إخراج المال عند العجز المستمر إلى الموت رحمة وفضلا ، وذلك بأن يدفع نفقة الحج إلى من يحج عنه ، بخلاف حال القدرة فإنه لم يعذره لأن تركه فيها ليس إلا لمجرد إيثار راحة نفسه على أمر ربه ، وهو بهذا يستحق العقاب لا التخفيف في طريق الإسقاط وإنما شرط دوامه إلى الموت لأن الحج فرض العمر ، فحيث تعلق به خطابه لقيام الشروط وجب عليه أن يقوم هو بنفسه في أول أعوام الإمكان ، فإذا لم يفعل أثم وتقرر القيام بها بنفسه في ذمته في مدة عمره وإن كان غير متصف بالشروط ، فإذا عجز عن ذلك بعينه وهو أن يعجز عنه في مدة عمره رخص له الاستنابة رحمة وفضلا منه ، فحيث قدر عليه وقتا ما من عمره بعدما استناب فيه لعجز لحقه [ ص: 146 ] ظهر انتفاء شرط الرخصة ، فلذا لو أحج عنه غيره لمرض يرجى زواله أولا ، أو كان محبوسا كان أمره مراعى إن استمر بذلك المانع حتى مات ظهر أنه وقع مجزيا ، وإن عوفي أو خلص من السجن ظهر أنه لم يقع مجزيا وظهر وجوب المباشرة بنفسه ، ولو أحج صحيح غيره ثم عجز لا يجزيه ، كذا في فتاوى قاضي خان وهو الصحيح لأنه أذن قبل وجود سبب الرخصة .

ولا يتخايل خلاف هذا مما في الفتاوى أيضا ، قال : إذا قال رجل لله علي ثلاثون حجة فأحج عنه ثلاثين نفسا في سنة واحدة ، إن مات قبل أن يجيء وقت الحج جاز عن الكل لأنه لم تعرف قدرته بنفسه عند مجيء وقت الحج فجاز ، وإن جاء وقت الحج وهو يقدر بطلت حجته لأنه يقدر بنفسه عليها فانعدم شرط صحة الإحجاج في هذه السنة .

وعلى هذا كل سنة تجيء وفيها المرأة إذا لم تجد محرما لا تخرج إلى الحج إلى أن تبلغ الوقت الذي تعجز عن الحج فيه فحينئذ تبعث من يحج عنها ، أما قبل ذلك فلا يجوز لتوهم وجود المحرم ، فإن بعثت رجلا إن دام عدم وجود المحرم إلى أن ماتت فذلك جائز كالمريض إذا أحج عنه رجلا ودام المرض إلى أن مات . واعلم أن ما تقدم في أول كتاب الحج من كون شرط الإحجاج عن الفريضة مجيء الوقت وهو قادر فلا يحج حتى يعرض المانع ويدوم إلى الموت ، فلو أوصى قبل الوقت فمات لا يصح .

وقدمنا من اختلاف زفر ويعقوب في نصراني أسلم أو صبي بلغ فمات قبل إدراك الوقت وأوصيا بحجة الإسلام أن الوصية باطلة على قول زفر لما قلنا ، وجائزة على قول أبي يوسف لأن السبب تقرر في حقهما والوقت شرط الأداء ، وفيه نظر أولا في كونه شرط الأداء بل هو شرط الوجوب . والسبب وإن كان هو البيت لكن الموصى به ليس مطلق الحج ليلزم الورثة إن وسع الثلث بل الحج الفرض وقد تحققنا عدمه عليهما إلى أن ماتا ، فقول زفر أنظر .

وفي البدائع . لو كان فقيرا صحيح البدن لا يجوز حج غيره عنه لأن المال شرط الوجوب ، فإذ لا مال لا وجوب فلا ينوب عنه غيره في أداء الواجب ولا واجب حينئذ ، وهذا يؤيد ما ذكرناه ، والله سبحانه أعلم .

أما الحج النفل فلا يشترط فيه العجز لأنه لم يجب عليه واحدة من المشقتين ، فإذا كان له تركهما كان له أن يتحمل إحداهما تقربا إلى ربه عز وجل فيه الاستنابة فيه صحيحا . ثم إن وجوب الإيصاء إنما يثبت ابتداء إذا كان صحيح البدن عند أبي حنيفة رحمه الله ، فمن لم يكن صحيحه لم يتعلق به فلا يجب عليه الإحجاج .

وعندهما إذا كان له مال تعلق به وإن كان زمنا أو مفلوجا على ما سلف من أن من الشرائط عنده صحة الجوارح خلافا لهما ، وأسلفنا في أول كتاب الحج أن قولهما رواية الحسن عنه وأنها أوجه وذكرنا الوجه ثمة فليراجع . ثم اختلف في أن نفس الحج يقع عن الآمر أو عن المأمور . فعن محمد عن المأمور بناء على أنه أقيم الإنفاق على الحاج مقام نفس الفعل شرعا كالشيخ الفاني حيث أقيم الإطعام في حقه مقام الصوم ، قالوا : إن بعض الفروع ظاهرة في هذا وسيأتي وعليه جمع من المتأخرين صدر الإسلام والإسبيجابي وقاضي خان ، حتى نسب شيخ الإسلام هذا لأصحابنا فقال على قول أصحابنا : أصل الحج عن المأمور .

ومختار شمس الأئمة السرخسي وجمع من المحققين أنه يقع عن الآمر وهو ظاهر المذهب ، ويشهد بذلك الآثار من السنة ومن المذهب بعض الفروع .

فمن الآثار حديث الخثعمية ، وهو { أن امرأة من خثعم قالت : يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟ قال نعم } متفق عليه ، [ ص: 147 ] فقد أطلق على فعلها الحج كونه عنه ، وكذا قوله للرجل { حج عن أبيك واعتمر } رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه .

وأما الفروع فإن المأمور لا يسقط عنه حجة الإسلام بهذه الحجة ، فلو كانت عنه لسقطت ، إذ الفرض أن حجة الإسلام تتأدى بإطلاق النية وتلغو الجهة على ذلك التقدير ، وفيه تأمل . ولم يستدل في البدائع بعد حديث الخثعمية سوى باحتياج النائب إلى إسناد الحج إلى المحجوج عنه في النية ، ولو لم يقع نفس الحج عن الآمر لم يحتج إلى نيته . واعلم أن شرط الإجزاء كون أكثر النفقة من مال الآمر ، والقياس كون الكل من ماله إلا أن في التزام ذلك حرجا بينا لأن الإنسان لا يستصحب المال ليلا ونهارا في كل حركة ، وقد يحتاج إلى شربة ماء وكسرة خبز في بغتة فأسقطنا اعتبار القليل استحسانا واعتبرنا الأكثر إذ له حكم الكل ، فإن أنفق الأكثر أو الكل من مال نفسه وفي المال المدفوع إليه وفاء لحجه رجع به فيه ، إذ قد يبتلى بالإنفاق في مال نفسه لبغتة الحاجة ولا يكون المال حاضرا فيجوز ذلك ، كالوصي والوكيل يشتري لليتيم ويعطي الثمن من مال نفسه ثم يرجع به في مال اليتيم ، وحينئذ لا يشكل ما في الكافي للحاكم الشهيد لو قال : أحجوا فلانا حجة ولم يقل عني ولم يسم ، كم يعطي ؟ قال : يعطي قدر ما يحج به ، وله أن لا يحج به إذا أخذه ويصرفه إلى حاجة أخرى .

قال في المبسوط لأنه لما أمر بذلك إنما جعل الحج عيار لما أوصى له به من المال ، ثم أشار عليه أن يحج به عن نفسه فكانت الوصية صحيحة ومشورته غير ملزمة ، فإن شاء حج وإن شاء لم يحج ا هـ . والحاصل أنه إنما أوصى له بمال يبلغ أن يحج به .

وفي غريب الرواية للسيد الإمام بن شجاع : رجل أوصى بأن يحج عنه فحج عنه ابنه ليرجع في التركة ، فإنه يجوز كالدين إذا قضاه من مال نفسه . ولو حج على أن لا يرجع لا يجوز عن الميت ، ويتخايل خلافه .



في عيون المسائل قال : إذا أوصى أن يحج عنه بعض ورثته فأجاز سائر الورثة وهم كبار جاز ، وإن كانوا صغارا أو غيبا كبارا لم يجز لأن هذا يشبه الوصية للوارث بالنفقة فلا تجوز إلا بإجازة الورثة ا هـ فيحمل الأول على ما إذا أمره باقي الورثة بذلك . والنفقة المشروطة ما تكفيه لذهابه وإيابه لأنه في ذلك عامل للميت .

ولو توطن مكة بعد الفراغ خمسة عشر يوما بطلت نفقته في مال الميت لأنه توطن حينئذ لحاجة نفسه ، بخلاف ما إذا أقام فإنه مسافر على حاله .

وقال بعض المشايخ : إذا أقام أكثر من ثلاث فهي في مال نفسه لتحقق الحاجة إلى الثلاث للاستراحة لا للأكثر قالوا : هذا في زمانهم ، إذ كان يقدر على الخروج متى شاء ، أما في زماننا فلا إلا مع الناس ، فعلى هذا إذا كان مقامه بمكة أو غيرها لانتظار قافلته فنفقته في مال الميت وإن كان أكثر من خمسة عشر يوما لأنه لا يقدر على الخروج إلا معهم فلم يكن متوطنا لحاجة نفسه ، فإن أقام بعد خروجها فنفقته في مال نفسه ، فإن بدا له بعد ذلك أن يرجع رجعت نفقته في مال الميت لأنه كان استحق نفقة الرجوع في مال الميت ، فهو كالناشزة إذا عادت إلى المنزل ، والمضارب إذا أقام في بلدته أو بلدة أخرى خمسة عشر يوما لحاجة نفسه لم ينفق من مال المضاربة ، فإن خرج مسافرا بعد ذلك عادت فيه .

وقد روي عن أبي يوسف أنه لا تعود نفقته في مال الميت لأنه في الرجوع عامل لنفسه لا للميت ، لكنا قلنا : إن أصل سفره كان للميت فما بقي ذلك السفر بقيت النفقة كذا في المبسوط . وذكر غير واحد من غير ذكر خلاف أنه إن نوى الإقامة خمسة عشر يوما سقطت ، فإن عاد عادت ، وإن توطنها سواء قل أو كثر لا تعود . وهذا يفيد أن التوطن غير مجرد نية الإقامة خمسة عشر يوما . والظاهر أن معناه أن يتخذها وطنا ، [ ص: 148 ] ولا يحد في ذلك حدا فتسقط النفقة . ثم العود إنشاء سفر لحاجة نفسه ولو بعد يومين فلا يستحق به النفقة على الميت ، والله سبحانه أعلم .

وصرح في البدائع بعد نقل الرواية عن أبي يوسف فقال : وهذا إذا لم يتخذ مكة دارا فأما إذا اتخذها دارا ثم عاد لا تعود النفقة بلا خلاف ، ولو كان أقام بها أياما من غير نية الإقامة قالوا : إن كانت إقامة معتادة لم تسقط ، وإن زاد على المعتاد سقطت ، ولو تعجل إلى مكة فهي في مال نفسه إلى أن يدخل عشر ذي الحجة فتصير في مال الآمر ، ولو سلك طريقا أبعد من المعتاد إن كان مما يسلكه الناس ففي مال الآمر وإلا ففي مال نفسه وما دام مشغولا بالعمرة بعد الحج فنفقته في مال نفسه لأنه عامل لنفسه ، فإذا فرغ عادت في مال الميت ، ولو كان بدأ بالعمرة لنفسه ثم حج عن الميت قالوا : يضمن جميع النفقة لأنه خالف الأمر ، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى .

في فتاوى قاضي خان : لو ضاعت النفقة بمكة أو بقرب منها أو لم تبق : يعني فنيت فأنفق من مال نفسه كان له أن يرجع في مال الميت وإن فعله بغير قضاء ، لأنه لما أمره بالحج فقد أمره بأن ينفق عنه ، ثم ذكر بعده بأسطر إذا قطع الطريق على المأمور وقد أنفق بعض المال في الطريق فمضى وحج وأنفق من مال نفسه يكون متبرعا فلا يسقط الحج عن الميت لأن سقوطه بطريق التسبب بإنفاق المال في كل الطريق ، ولا فرق في ذلك بين الصورتين سوى أنه قيد الأولى بكون ذلك الضياع بمكة أو قريبا منها ، لكن المعنى الذي علل به يوجب اتفاق الصورتين في الحكم وهو أن يثبت له الرجوع ، فإن لم يرجع وتبرع به ، إن كان الأقل جاز وإلا فهو ضامن لماله ، والمراد بالنفقة ما يحتاج إليه من طعام ومنه اللحم وشرابه وثيابه وركوبه وثياب إحرامه ، وليس له أن يدعو أحدا إلى طعامه ولا يتصدق به ولا يقرض أحدا ولا يصرف الدراهم بالدنانير إلا لحاجة تدعو إلى ذلك ، ولا يشتري منها ماء الوضوء بل يتيمم ولا يدخل الحمام .

وفي فتاوى قاضي خان : له أن يدخلها بالمتعارف : يعني من الزمان ، ويعطي أجرة الحارس من مال الآمر ، وله أن يخلط دراهم النفقة مع الرفقة ويودع المال . واختلف في شراء دهن السراج والادهان ، قيل لا ، وقيل يشتري دهنا يدهن به لإحرامه وزيتا للاستصباح ، ولا يتداوى منه ولا يحتجم ولا يعطي أجرة الحلاق إلا أن يوسع عليه الميت أو الوارث .

وقياس ما في الفتاوى أن يعطي أجرة الحلاق ولا ينفق على من يخدمه إلا إذا كان ممن لا يخدم نفسه ، وله أن يشتري دابة يركبها ومحملا وقربة وإداوة وسائر الآلات ومهما فضل من الزاد والأمتعة يرده على الورثة أو الوصي إلا أن يتبرع به الوارث أو أوصى له به الميت ، وهذا لأن النفقة لا تصير ملكا للحاج بالإحجاج وإنما ينفق في ذهابه وإيابه على حكم ملك الميت ، لأنه لو ملكه لكان بالاستئجار ، ولا يجوز الاستئجار على الطاعات .



وعن هذا قلنا : لو أوصى أن يحج عنه ولم يزد على ذلك كان للوصي أن يحج عنه بنفسه ، إلا أن يكون وارثا أو دفعه إلى وارث ليحج فإنه لا يجوز إلا أن يجيز الورثة وهم كبار ، لأن هذا كالتبرع بالمال فلا يصح للوارث إلا بإجازة الباقين .

ولو قال الميت للوصي : ادفع المال لمن يحج عني لم يجز له أن يحج بنفسه مطلقا



وإذا علم هذا فما في فتاوى قاضي خان من قوله : إذا استأجر المحبوس رجلا ليحج عنه حجة الإسلام جازت الحجة عن المحبوس إذا مات في الحبس وللأجير أجرة مثله مشكل ، لا جرم أن الذي في الكافي للحاكم الشهيد أبي الفضل في هذه المسألة قال : وله نفقة مثله هي العبارة المحررة ، وزاد إيضاحها في المبسوط فقال : وهذه النفقة ليس يستحقها بطريق العوض بل بطريق الكفاية لأنه فرغ نفسه لعمل ينتفع المستأجر [ ص: 149 ] به ، هذا وإنما جاز الحج عنه لأنه لما بطلت الإجارة بقي الأمر بالحج فيكون له نفقة مثله . وإذا أراد أن يكون ما فضل للمأمور من الثياب والنفقة يقول له : وكلتك أن تهب الفضل من نفسك وتقبضه لنفسك ، فإن كان على موت قال : والباقي مني لك وصية .



وفي الفتاوى : لو حج المأمور بالحج ماشيا وأمسك مئونة الكراء كان ضامنا مال الميت والحج لنفسه لانصراف الأمر بالحج إلى المتعارف وهو بالزاد والراحلة . ولو أوصى أن يعطي بعيره هذا إلى رجل يحج عنه فأكراه الرجل وأنفق الكراء على نفسه في الطريق وحج ماشيا جاز عن الميت استحسانا هو المختار لأنه ملك أن يبيعه ويحج بثمنه فكذا يملك أن يؤجره ، ولأنه لو لم يملك ذلك كانت الأجرة له ولا يضمن كالغاصب ، ويقع الحج عن المأمور فيتضرر الميت به فوجب أن يملك الإجارة نظرا للميت ثم يؤدي البعير إلى الورثة لأنه ملك مورثهم .

قال أبو الليث في النوازل : وعندي أن الحج عن نفسه ويضمن نقصان البعير إلا أن يكون الميت فوض إليه ذلك ; ألا ترى أنرجلا وكل رجلا بأن يبيع بعيره بمائة فآجره بمائة لا يجوز فكذا هذا ا هـ . ولو أوصى أن يحج عنه فلان فمات فلان أحجوا عنه غيره . ولو اختلف المأمور والوارث أو الوصي فقال وقد أنفق من مال الميت منعت من الحج وكذبه الآخر لا يصدق ويضمن ، إلا أن يكون أمرا ظاهرا يشهد على صدقه لأن سبب الضمان قد ظهر فلا يصدق في دفعه إلا بأمر ظاهر يدل على صدقه .



ولو اختلفا فقال حججت وكذبه الآخر كان القول للمأمور مع يمينه لأنه يدعي الخروج عن عهدة ما هو أمانة في يده ، ولا تقبل بينة الوارث أو الوصي أنه كان يوم النحر بالبلد إلا أن يقيما على إقراره أنه لم يحج . نظيره : قال المودع دفعتها إليك بمكة وأقام رب الوديعة البينة أنه كان في اليوم الذي ادعى فيه الدفع بمكة بالكوفة لم تجز هذه الشهادة ، بخلاف ما إذا أقامها على إقراره أنه كان بالكوفة . أما لو كان الحاج مديونا للميت وأمره أن يحج بماله الذي عليه وباقي المسألة بحالها فإنه لا يصدق إلا ببينة لأنه يدعي قضاء الدين .

وفي خزانة الأكمل : القول له مع يمينه ، إلا أن يكون للورثة مطالب بدين الميت فإنه لا يصدق في حق غريم الميت إلا بالحجة .



وفي فتاوى أهل سمرقند : أوصى رجلا أن يحج عنه ولم يقدر فيه شيئا والوصي إن أعطى للحاج في محمل احتاج إلى ألف ومائتين أو راكبا لا في محمل يكفيه الأقل والأكثر يخرج من الثلث يجب الأقل لأنه المتيقن .



ولو مرض الحاج عن غيره فليس له أن يدفع المال إلى غيره ليحج به ، إلا إذا قال له الدافع اصنع ما شئت : فهذه فوائد مهمة لا يستغنى عنها قدمناها أمام ما في الكتاب تتميما أو تكميلا لفائدته .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث