الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

أقسام الوقف

والوقف عند أكثر القراء ينقسم إلى أربعة أقسام : تام مختار ، وكاف جائز ، وحسن مفهوم ، وقبيح متروك .

وقسمه بعضهم إلى ثلاثة ، وأسقط الحسن . وقسمه آخرون إلى اثنين ، وأسقط الكافي والحسن .

فالتام هو الذي لا يتعلق بشيء مما بعده ، فيحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده ; كقوله تعالى : وأولئك هم المفلحون ( البقرة : 5 ) ، وأكثر ما يوجد عند رءوس الآي كقوله : وأولئك هم المفلحون ( البقرة : 5 ) ثم يبتدئ بقوله : إن الذين كفروا ( البقرة : 6 ) ، وكذا : وأنهم إليه راجعون ( البقرة : 46 ) ثم يبتدئ بقوله : يابني إسرائيل ( البقرة : 47 ) .

وقد يوجد قبل انقضاء الفاصلة كقوله تعالى : وجعلوا أعزة أهلها أذلة ( النمل : 34 ) [ ص: 507 ] هنا التمام ; لأنه انقضى كلام بلقيس ، ثم قال تعالى : وكذلك يفعلون ( النمل : 34 ) ، وهو رأس الآية .

كذلك عن الذكر بعد إذ جاءني هو التمام ; لأنه انقضاء كلام الظالم الذي هو أبي بن خلف ، ثم قال تعالى : وكان الشيطان للإنسان خذولا ، وهو رأس آية .

وقد يوجد بعدها كقوله تعالى : مصبحين وبالليل ( الصافات : 137 و 138 ) ، ( مصبحين ) رأس الآية ، ( وبالليل ) التمام ; لأنه معطوف على المعنى ، أي : والصبح وبالليل .

وكذلك ( يتكئون وزخرفا ) ( الزخرف : 34 و 35 ) رأس الآية : ( يتكئون ) ، ( وزخرفا ) هو التمام ; لأنه معطوف على ما قبله من قوله : سقفا ( الزخرف : 33 ) .

وآخر كل قصة وما قبل أولها ، وآخر كل سورة تام ، والأحزاب ، والأنصاف ، والأرباع ، والأثمان ، والأسباع ، والأتساع ، والأعشار ، والأخماس . وقبل ياء النداء وفعل الأمر والقسم ولامه دون القول ، و " الله " بعد رأس كل آية ، والشرط ما لم يتقدم جوابه ، و " كان الله " و " ذلك " و " لولا " غالبهن تام ما لم يتقدمهن قسم أو قول أو ما في معناه .

والكافي منقطع في اللفظ متعلق في المعنى ، فيحسن الوقف عليه والابتداء أيضا بما بعده نحو : حرمت عليكم أمهاتكم ( النساء : 23 ) هنا الوقف ، ثم يبتدئ بما بعد ذلك ، وهكذا باقي المعطوفات ، وكل رأس آية بعدها " لام كي " و " إلا " بمعنى " لكن " و " إن " المكسورة المشددة ، والاستفهام ، و " بل " و " ألا " المخففة ، و " السين " و " سوف " على التهدد ، و " نعم " و " بئس " و " كيلا " ، وغالبهن كاف ما لم يتقدمهن قول أو قسم ، وقيل : " أن " [ ص: 508 ] المفتوحة المخففة في خمسة لا غير : " البقرة " وأن تصوموا ( الآية : 184 ) ، وأن تعفوا الآية : 237 ) ، وأن تصدقوا ( الآية : 280 ) ، و " النساء " وأن تصبروا ( الآية : 25 ) ، و " النور " وأن يستعففن ( الآية : 60 ) .

والحسن هو الذي يحسن الوقوف عليه ، ولا يحسن الابتداء بما بعده ، لتعلقه به في اللفظ والمعنى نحو : الحمد لله رب العالمين ، و الرحمن الرحيم ، والوقف عليه حسن ; لأن المراد مفهوم ، والابتداء بقوله : رب العالمين ، و الرحمن الرحيم ، و مالك يوم الدين لا يحسن ; لأن ذلك مجرور ، والابتداء بالمجرور قبيح ; لأنه تابع .

والقبيح هو الذي لا يفهم منه المراد ، نحو : الحمد فلا يوقف عليه ، ولا على الموصوف دون الصفة ، ولا على البدل دون المبدل منه ، ولا على المعطوف دون المعطوف عليه نحو : كذبت ثمود وعاد ( الحاقة : 4 ) ، ولا على المجرور دون الجار .

وأقبح من هذا الوقف على قوله : لقد كفر الذين قالوا ( المائدة : 17 ) ، ومن يقل منهم ( الأنبياء : 29 ) ، والابتداء بقوله : إن الله هو المسيح ابن مريم ( المائدة : 17 ) ، إن الله ثالث ثلاثة ( المائدة : 73 ) ، إني إله ( الأنبياء : 29 ) ; لأن المعنى يستحيل بهذا في الابتداء ، ومن تعمده وقصد معناه فقد كفر . ومثله في القبح الوقف على فبهت الذي كفر والله ( البقرة : 258 ) ، و مثل السوء ولله ( النحل : 60 ) ، وشبهه ، ومثله : وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه ( النساء : 11 ) ، و إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى ( الأنعام : 36 ) .

وأقبح من هذا وأشنع الوقف على النفي دون حروف الإيجاب نحو : لا إله إلا الله ( محمد : 19 ) ، وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا الإسراء : 105 ) ، وكذا وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ( المائدة : 9 و 10 ) ، و الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا ( محمد : 1 و 2 ) ، [ ص: 509 ] فإن اضطر لأجل التنفس جاز ذلك ، ثم يرجع إلى ما قبله حتى يصله بما بعده ولا حرج .

وقال بعضهم : إن تعلقت الآية بما قبلها تعلقا لفظيا كان الوقف كافيا نحو : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ( الفاتحة : 6 و 7 ) ، وإن كان معنويا فالوقف على ما قبلها حسن كاف ، نحو : الحمد لله رب العالمين ( الفاتحة : 2 ) ، وإن لم يكن لا لفظيا ولا معنويا فتام ، كقوله : ولا هم يحزنون ( البقرة : 274 ) ، بعده : الذين يأكلون الربا ( البقرة : 275 ) ، وإن كانت الآية مضادة لما قبلها كقوله : أنهم أصحاب النار الذين يحملون العرش ( غافر : 6 و 7 ) ، فالوقف عليه قبيح .

واعلم أن وقف الواجب إذا وقفت قبل " والله " ثم ابتدأت بـ ( والله ) ، وهو الوقف الواجب كقوله تعالى : حذر الموت والله محيط بالكافرين ( البقرة : 19 ) .

وقال بعض النحويين : الجملة التأليفية إذا عرفت أجزاؤها وتكررت أركانها كان ما أدركه الحس في حكم المذكور ; فله أن يقف كيف شاء ، وسواء التام وغيره ; إلا أن الأحسن أن يوقف على الأتم وما يقدر به .

وذهب الجمهور إلى أن الوقف في التنزيل على ثمانية أضرب : تام ، وشبيه به ، وناقص ، وشبيه به ، وحسن ، وشبيه به ، وقبيح ، وشبيه به ، وصنفوا فيه تصانيف ، فمنها ما أثروه عن النحاة ، ومنها ما أثروه عن القراء ، ومنها ما استنبطوه ، ومنها ما اقتدوا فيه بالسنة فقط ; كالوقف على أواخر الآي ، وهي مواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وذهب أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة إلى أن تقدير الموقوف عليه من القرآن : التام ، والناقص ، والحسن ، والقبيح ، وتسميته بذلك بدعة ، ومتعمد الوقف على نحوه مبتدع ، [ ص: 510 ] قال : لأن القرآن معجز ، وهو كالقطعة الواحدة ، فكله قرآن وبعضه قرآن ، وكله تام حسن ، وبعضه تام حسن ، حكى ذلك أبو القاسم بن برهان النحوي عنه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث