الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زهد داود في الدنيا وعزلته عن الناس وامتناعه من أن يحدث أحدا بأحاديث حتى أقاربه



حدثنا أبي ، ثنا أحمد بن عمر ، ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد ، ثنا الحسين بن علي بن الأسود ، ثنا حسن بن مالك ، عن بكر العابد ، قال : سمعت داود الطائي ، يقول : " توحش من الدنيا كما تتوحش من السباع " ، قال : " وكان داود يقول : " كفى باليقين زهدا ، وكفى بالعلم عبادة ، وكفى بالعبادة شغلا " .

حدثنا محمد بن أحمد بن أبان ، حدثني أبي ، ثنا أبو بكر بن سفيان ، حدثني محمد بن الحسين ، حدثني رستم بن أسامة أبو نعمان ، حدثني عمير بن صدقة ، قال : " كان داود الطائي لي صديقا ، وكنا نجلس جميعا في حلقة أبي حنيفة حتى اعتزل وتعبد ، فأتيته فقلت : يا أبا سليمان جفوتنا فقال : يا أبا محمد ليس مجلسكم [ ص: 344 ] ذاك من أمر الآخرة في شيء ، ثم قال : أستغفر الله ، أستغفر الله ثم قام وتركني " .

حدثنا محمد بن أحمد ، حدثني أبي ، ثنا أبو بكر بن سفيان ، حدثني الحسن بن الصباح ، عن شعيب بن حرب ، قال : قال داود الطائي : " لمن يجلس ؟ : لرجل يحفظ سقطك ، أو غلام يتعنتك " .

حدثنا أبي ، ثنا أحمد بن محمد بن عمر ، ثنا أبو بكر بن عبيد ، حدثني الحسن بن الحسين ، عن ابن السماك ، قال : " كلمت داود الطائي ، قلت : لو جالست الناس قال : إنما أنت بين اثنين : بين صغير لا يوقرك ، وبين كبير يحصي عليك عيوبك " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن محمد بن العباس ، ثنا سلمة بن شبيب ، ثنا سهل بن أبي عاصم ، حدثني محمد بن يحيى ، عن داود الطائي ، قال : " من علامة المريدين الزاهدين في الدنيا ترك كل جليس لا يريد ما يريدون " .

حدثنا أبي ، ثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب ، ثنا أبو حاتم ، ثنا محمد بن يحيى بن عمر ، ثنا محمد بن بشير ، ثنا حفص بن عمر الجعفي ، قال : " جاء رجل من الأكياس يريد أن يلقى داود الطائي ، فجعل لا يمكنه حتى يخرج متقنعا بثوبه كأنه خائف ، فإذا سلم الإمام جاء مسرعا كأنه رجل هارب حتى يدخل بيته " .

حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، ثنا محمد بن إسحاق ، ثنا عبد الله بن محمد ، ثنا محمد بن عبد المجيد ، ثنا إسحاق بن منصور السلولي ، قال : " دخلت أنا وصاحب لي على داود الطائي ، وهو على التراب ، فقلت لصاحبي : هذا رجل زاهد ، فقال داود : إنما الزاهد من قدر فترك " .

حدثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا أحمد بن الحسين ، ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثني عمرو بن حمادة - بعض أصحابنا - قال : " قدم الحسن بن عطية الكوفة قال : فأراد أن يسأل عن مسألة ، قال : فتوسل برجل من الطالبيين ، فدخل على داود ، وهو معهم ، فجعل حسن يسأل داود عن المسألة ، وداود ساكت عنه لا يرد عليه شيئا ، فلما أعاد ذلك مرارا فلم يرد عليه داود شيئا قام فخرج ، وبقي الطائي قاعدا ، فقال له : يجيئك ابن عم لك يسألك عن مسألة لا تجيبه ؟ فلما [ ص: 345 ] أكثر عليه قال : ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون )

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن محمد بن العباس ، ثنا سلمة بن شبيب ، ثنا سهل بن عاصم ، ثنا عبد الله بن عبد الصمد ، حدثني إسماعيل بن أحمد ، قال : " كلم ابن عم لداود الطائي ، داود في بني عم له يحدثهم أحاديث معه ، فلم يكلمه ، فأكثر ذلك ، كل ذلك لا يجيبه ، فغضب وكلمه بكلام أسمعه ، ثم ذهب فقال داود : ( " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون )

حدثنا أبي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، ثنا محمد بن يزيد ، ثنا محمد بن بشر ، عن بكر بن محمد العابد ، قال : قال لي داود الطائي : " فر من الناس كفرارك من الأسد " .

حدثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا عباس بن حمدان ، ثنا الحضرمي ، ثنا سهل بن سليمان النيلي ، ثنا عبد الله الأعرج ، - أو غيره - قال : " أتيت داود فصليت معه المغرب فكان لا يتطوع في المسجد ، فتبعته فصعد في البصر ، فقلت : أضيفك الليلة ؟ فدخل ودخلت معه فصلى ما شاء الله ، فأخرج رغيفين يابسين ، فجلس فقال لي : ادن فكل ، فأشفقت عليه أن آكل معه ، فأكل ثم قام إلى شن في الدار في يوم صائف فأخذ يشرب منه ، فقلت : يا أبا سليمان لو أمرت من يبرد لك هذا الماء ؟ فقال لي : أما علمت أن الذي يبرد له الماء في الصيف ويسخن له في الشتاء لا يحب لقاء الله ؟ قلت : يا أبا سليمان أوصني ، قال : صم الدنيا ، واجعل فطرك منها في الآخرة ، فقلت : زدني ، فقال : ليكن كاتباك محدثيك ، فقلت : زدني ، قال : بر والديك ، قلت : زدني ، قال : فر من الناس فرارك من الأسد غير مفارق لجماعتهم ، ثم خرجت " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا أحمد بن محمد ، ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد ، حدثني محمد بن الحسين ، حدثني محمد بن إشكاب الصفار ، حدثني رجل من أهل داود الطائي قال : قلت له يوما : " يا أبا سليمان ، قد عرفت الرحم بيننا ، فأوصني ، قال : فدمعت عيناه ، ثم قال لي : يا أخي ، إنما الليل والنهار مراحل ، تنزل بالناس مرحلة مرحلة حتى تنتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم ، فإن استطعت أن تقدم في كل [ ص: 346 ] يوم مرحلة زادا لما بين يديه فافعل ، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو ، والأمر أعجل من ذلك ، فتزود لسفرك ، واقض ما أنت قاض من أمرك ، فكأنك بالأمر قد بغتك ، إني لأقول هذا ، وما أعلم أحدا أشد تضييعا مني لذلك ثم قام " .

حدثنا أبي ، ثنا أبو الحسن بن أبان ، ثنا أبو بكر بن عبيد ، حدثني الحسين بن عبد الرحمن ، ثنا صالح بن موسى ، قال : " قال رجل لداود الطائي : أوصني ، فقال : صاحب أهل التقوى ، فإنهم أيسر أهل الدنيا مؤنة عليك ، وأكثرهم لك معونة " .

أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه إلي - ثنا إبراهيم بن نصر المنصوري ، حدثني إبراهيم بن بشار الصوفي - خادم إبراهيم بن أدهم - قال : سمعت إبراهيم بن أدهم ، يقول : " كان داود الطائي يقول : " إن للخوف تحركات تعرف في الخائفين ، ومقامات يعرفها المحبون ، وإزعاجات يفوز بها المشتاقون ، وأين أولئك ؟ أولئك هم الفائزون " .

وقال داود لسفيان : " إذا كنت تشرب الماء المبرد ، وتأكل اللذيذ المطيب ، وتمشي في الظل الظليل فمتى تحب الموت ، والقدوم على الله ؟ فبكى سفيان " .

حدثنا أبي ، ثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب ، ثنا أبو حاتم ، ثنا محمد بن يحيى بن عمر ، ثنا محمد بن بشير ، ثنا حفص بن عمر الجعفي ، قال : " كان داود الطائي ورث عن أمه أربعمائة درهم ، فمكث يتقوتها ثلاثين عاما ، فلما نفدت جعل ينقض سقوف الدويرة فيبيعها حتى باع الخشب والبواري ، واللبن ، حتى بقي في نصف سقف ، وكان حائط داره من هذا اللبن العرزمي الذي يجعل منه الكناسات وباب خلاف مربوع قصير ، لو أن غلاما وثب سقط إلى الدار وجاء صديق له فقال : يا أبا سليمان ، لو أعطيتني هذه فبعتها لك ؟ لعلنا نستفضل لك فيها شيئا تنتفع به ، فما زال به حتى دفعها إليه ، ثم فكر فيها فلقيه بعد العشاء الآخرة فقال : ارددها علي ، قال : ولم يا أخي ؟ قال : " أخاف أن يدخل فيها شيء غير طيب ، فأخذها " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ، ثنا أحمد بن إبراهيم ، حدثني أبو نعيم ، قال : سمعت رجلا يحدث عن حفص بن غياث ، قال : " قلت لداود [ ص: 347 ] الطائي : " كم بقي عندك من ثمن غلامك ؟ قال : كذا وكذا دينارا ، قال أبو نعيم : أظنه اثني عشر دينارا ، أو ثلاثة عشر دينارا ، قال : قلت : هاتها ، لعلنا نصرفها لك في بعض ما تنتفع به ، قال : عافاك الله ، إن الله لا يخدع ، قال أبو نعيم : يقول : لا تأخذها أنت تجعلها في بيتك وتنفق علي " .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أحمد بن الحسين ، ثنا أحمد بن إبراهيم ، حدثني عبيد بن جناد ، قال : سمعت عطاء بن مسلم الحلبي يقول : " عاش داود الطائي عشرين سنة بثلاثمائة درهم ينفقها على نفسه ، فأتاه ابن أخيه ، فقال : يا عم تكره التجارة ؟ قال : لا ، قال : أعطني شيئا أتجر به ، قال : فأعطاه ستين درهما ، قال : فمكث شهرا ثم جاءه بعشرين ومائة درهم ، فقال : هذه ربحها ، قال : أنت كل شهر تربح للدرهم درهما ؟ ينبغي أن يكون عندك بيت مال ، أردت أن تخدعني قال : فرمى بها ، وقال : رد علي رأس مالي " .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا عبد الله بن محمد بن العباس ، ثنا سلمة بن شبيب ، ثنا سهل بن عاصم ، ثنا عثمان بن زفر ، قال : أخبرني ابن عم لداود ، قال : " ورث داود الطائي من أبيه عشرين دينارا ، فأكلها في عشرين سنة ، كل سنة دينارا ، منه يأكل ، ومنه يتصدق ، وورث بيتا ، وكان يكون فيه لا يعمره ، كلما خربت ناحية تركها وتحول إلى ناحية أخرى ، فخرب كله إلا زاوية منه يكون فيها " .

حدثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا إسحاق بن أبي حسان ، ثنا أحمد بن أبي الحواري ، قال : قال أبو سليمان الداراني : " ورث داود الطائي من أمه دارا ودنانير ، فكان ينتقل في بيوت الدار ، كلما خرب بيت من الدار انتقل إلى آخر ، ولم يعمرها حتى أتى على عامة بيوت الدار ، قال : وورث من أبيه دنانير ، فكان ينفق فيها حتى كفن بآخرها " .

حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، ثنا محمد بن إسحاق ، قال : سمعت محمد بن زكريا يقول : سمعت بعض أصحابنا قال : " ورث داود الطائي من مولاة له عشرين دينارا فكفته عشرين سنة حتى مات " .

حدثنا أحمد بن إسحاق ، ثنا محمد بن يحيى بن منده ، ثنا عبد الرحمن بن عمرو [ ص: 348 ] قال : " استشارني محمد بن عامر في ترك التجارة ، فأشرت عليه أنا ، ومحمد بن النعمان أن يبقي لنفسه ، قال : فكتب إلى أخ له ببغداد ما أشرنا عليه ، قال : فكتب إليه : إن أخويك لم ينصحاك ، إن داود الطائي باع عقدة له ، فقيل له : لو جعلتها في التجارة يدخل عليك منها شيء ؟ قال : فقال : لا ، إما أن تسبقني ، وإما أن أسبقها : قال : فجعل ينفق منها دينارا دينارا ، قال : فمات وقد بقي منها دينار فكفن فيه " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث