الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

طعام داود وشرابه ومسكنه ورضاه باليسير من الشعير وكف نفسه عن الدنيا



حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ، ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثني عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي ، قال : " دخلت على داود الطائي في مرضه الذي مات فيه ، وليس في بيته إلا دن مقير يكون فيه خبز يابس ، ومطهرة ، ولبنة شاهنجانية كبيرة على التراب ، يجعلها وسادة ، وهي مرفقته ، وهي مخدته ، وليس في بيته بوري ولا قليل ولا كثير " .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ، ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، ثنا عبد الرحمن بن مصعب ، قال : " ما شبهت فقار ظهر داود إلا جرابا فيه جوز قد أبان من الجراب هكذا " .

حدثنا أبي ، ثنا أحمد بن محمد بن عمر ، ثنا عبد الله بن محمد بن سفيان ، ثنا ابن أبي مريم ، عن قبيصة ، قال : حدثني صاحب لنا ، " أن امرأة ، من أهل داود الطائي صنعت ثريدة بسمن ، ثم بعثت بها إلى داود حين إفطاره مع جارية لها ، وكان بينها وبينهم رضاع ، قالت الجارية : فأتيته بالقصعة فوضعتها بين يديه في الحجرة ، قال : فسعى ليأكل منها ، فجاء سائل فوقف على الباب ، فقام فدفعها إليه ، وجلس معه على الباب ، حتى أكلها ، ثم دخل فغسل القصعة ثم عمد إلى تمر كان بين يديه - قالت الجارية : ظننت أنه كان أعده لعشائه - فوضعه في القصعة ، ودفعها إلي وقال : أقرئيها السلام ، قالت الجارية : ودفع إلى السائل ما جئناه به ، ودفع إلينا ما أراد أن يفطر عليه ، قالت : وأظنه ما بات إلا طاويا " قال قبيصة : كنت أراه قد نحل جدا .

حدثنا إسحاق بن أحمد ، ثنا إبراهيم بن يوسف ، ثنا أحمد بن أبي الحواري ، قال : سمعت أبا سليمان الداراني ، يقول : " كان داود الطائي يأكل خبزه على ثلاثة [ ص: 349 ] أصناف ، أوله سخن ، وأوسطه قد تكرج ، وآخره يابس يبله في مطهرة له ، قال : وكان له دنان ، دن للماء ، ودن للخبز ، فأما دن الماء فكان قد جعله في الأرض لئلا يصيبه الروح فيبرد " .

حدثنا إسحاق بن أحمد ، ثنا إبراهيم بن يوسف ، ثنا أحمد بن أبي الحواري ، قال : سمعت أبا سليمان ، يقول : " أقام داود الطائي أربعا وستين سنة أعزب ، فقيل له : كيف صبرت عن النساء ؟ قال : قاسيت شهوتهن عند إدراكي سنة ، ثم ذهبت شهوتهن من قلبي " قال أبو سليمان : " فنرى أنه من صبر عنهن عند إدراكه سنة لم يعرفهن حلالا ولا حراما ، إنه يكفى مؤنتهن " .

حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، ثنا محمد بن إسحاق ، ثنا إسماعيل بن أبي الحارث ، ح وحدثنا أبي ، ثنا أحمد بن محمد بن أبان ، ثنا أبو بكر بن سفيان قال : ثنا أحمد بن عمران الأخنسي ، ثنا الوليد بن عقبة ، قال : " كان يخبز لداود الطائي ستون رغيفا ، يعلقها بشريط ، يفطر كل ليلة على رغيفين بماء وملح ، فأخذ ليلة فطره ، فجعل ينظر إليه ، قال : ومولاة له سوداء تنظر إليه ، فقامت فجاءته بشيء من تمر على طبق فأفطر ، ثم أحيا ليلته ، وأصبح صائما ، فلما أن جاء وقت الإفطار أخذ رغيفه ، وملحا وماء ، قال الوليد بن عقبة : وحدثني جار له قال : جعلت أسمعه يعاتب نفسه يقول : اشتهيت البارحة تمرا فأطعمتك ، فاشتهيت الليلة تمرا لا ذاق داود تمرا ما دام في دار الدنيا " ، قال محمد بن إسحاق في حديثه : فما ذاقها حتى مات .

حدثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا عبد الله بن محمد بن العباس ، ثنا سلمة بن شبيب ، ثنا سهل بن عاصم ، ثنا شهاب بن عباد ، ثنا محمد بن بشر ، قال : " دخلت على داود الطائي المسجد ، فصليت معه المغرب ، ثم أخذ بيدي فدخلت معه البيت ، فقام إلى دن له كبير ، فأخذ رغيفا منه يابسا فغمسه في الماء ، ثم قال : ادن فكل ، قلت : بارك الله لك ، فأفطر ، فقلت : يا أبا سليمان ، لو أخذت شيئا من ملح ؟ قال : فسكت ساعة ، ثم قال : إن نفسي تنازعني ملحا " ولا ذاق داود ملحا ما دام في الدنيا ، قال : فما ذاقه حتى مات رحمه الله .

[ ص: 350 ] حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، ثنا محمد بن إسحاق ح . وحدثنا أبو محمد بن حيان ، وثنا أحمد بن علي بن الجارود ، قالا : ثنا أبو سعيد الأشج ، حدثني عبد الله بن عبد الكريم ، عن حماد بن أبي حنيفة ، قال : " جئت داود الطائي والباب عليه مصفق ، فسمعته يقول : اشتهيت جزرا فأطعمتك ، ثم اشتهيت جزرا وتمرا ، آليت أن لا تأكليه أبدا ، فاستأذنت وسلمت ودخلت ، فإذا هو يعاتب نفسه " .

حدثنا إبراهيم بن أحمد بن أبي حصين ، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا محمد بن حسان ، قال : سمعت إبراهيم بن حسان يقول : جئت إلى باب داود الطائي أريد أن أدخل عليه فسمعته يخاطب نفسه فظننت أن عنده إنسانا يكلمه فأطلت الوقوف بالباب ثم استأذنت فقال : ادخل ، فدخلت فقال : ما بدا لك من الاستئذان علي ؟ قال : قلت : سمعتك تتكلم فظننت أن عندك إنسانا تخاصمه ، قال : لا ، ولكن كنت أخاصم نفسي ، اشتهيت البارحة تمرا فخرجت أشتريه ، فلما جئت بالتمر اشتهيت الجزر ، فأعطيت الله عهدا أن لا آكل التمر والجزر حتى ألقاه .

حدثنا أبو القاسم إبراهيم بن أحمد بن أبي حفص ، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا محمد بن أحمد بن عيسى الوابشي الخزار ، قال : سمعت مصعب بن مقدام يقول : أرسلني داود الطائي بطبري أشتري له به تمرا ، فلما كان بعد ذلك جئته فجاء فجلس إلى جنبي فقال : من أين اشتريت هذا التمر ؟قال : فظننت أنه يعيبه ، فقلت : ما له يا أبا سليمان ؟ فوالله ما ودعت شيئا أجود من شيء اشتريته لك ، قال : فقال استطبته فحلفت أن لا آكل تمرا أبدا .

حدثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا محمد بن عبد الله بن مصعب ، ثنا علي بن حرب ، ثنا إسماعيل بن الزيان ، قال : قالت داية داود الطائي : يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز ؟ قال : يا داية بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث