الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1278 حديث حاد وعشرون لهشام بن عروة

مالك عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أنها قالت : جاء عمي من الرضاعة يستأذن علي فأبيت أن آذن له علي حتى أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن [ ص: 155 ] ذلك ، فقال إنه عمك فأذني له ، فقلت يا رسول الله ، إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل ، فقال إنه عمك فليلج عليك ، قالت عائشة : وذلك بعدما ضرب الحجاب . وقالت عائشة : يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة .

التالي السابق


هذا أبين حديث في تحريم لبن الفحل ، ألا ترى إلى قول عائشة : " فقلت يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل " والرجل هو أبو القعيس والمستأذن على عائشة هو أخوه أفلح .

وكذلك قال مالك في حديثه عن ابن شهاب عن عروة ، عن عائشة ، أنها أخبرته أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن ضرب الحجاب ، وذكر الحديث على حسب ما مضى ذكره في باب ابن شهاب ، فأبو القعيس هو الذي أرضعت امرأته عائشة فصارت أما لها من الرضاعة ، وصار هو أباها ; لأن اللبن منه تولد ، وجاء أخوه يستأذن عليها ، وهو أخو أبيها من الرضاعة ، فظنت عائشة أن اللبن ليس من الفحل ، فقالت : إنما أرضعتني المرأة ، تريد وليس هذا أخا المرأة فيكون عمي أو خالي ، وإنما هو أخو زوجها ، فأخبرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه عمها ; لأن أخاه أبوها بإرضاع زوجته إياها ، وهذا بين ، وهو مذهب ابن عباس وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام ، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل ، وعليه جماعة أهل الحديث .

[ ص: 156 ] قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال : حدثنا محمد بن عبد السلام قال : حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة عن الحكم ، عن عراك بن مالك ، عن عروة بن الزبير قال : استأذن أفلح بن قعيس ، أو ابن أبي قعيس على عائشة فقال : إني عمك أرضعتك امرأة أخي ، فأبت أن تأذن له ، فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرته ، فقال : ائذني له ، فإنه عمك .

أخبرنا خلف بن قاسم قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن بحير بن عبد الله بن صالح بن أسامة الذهلي القاضي قال : حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان عن هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة قالت : دخل علي أفلح بن أبي القعيس قالت : فاستترت منه ، فقال : أتستترين مني وأنا عمك ؟ قالت : من أين ؟ قال : أرضعتك امرأة أخي ، قالت : إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل . فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحدثته ، فقال : إنه عمك ، فليلج عليك .

وأخبرنا خلف ، حدثنا أبو طاهر ، حدثنا يوسف بن يعقوب ، حدثنا محمد بن كثير ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم بن عتيبة ، عن عراك ، عن عروة ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تربت يداك في هذا الحديث ، أوما علمت أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب فإلى هذا ذهب من ذكرنا من فقهاء الأمصار ، وذهب جماعة من التابعين بالمدينة وغيرها إلى أن لبن الفحل لا يحرم شيئا ، وقد ذكرنا من قال بالقولين جميعا من العلماء ، وذكرنا الحجة لكل فريق منهم وما نزعوا به لمذاهبهم ، وذكرنا الوجه المختار عندنا في ذلك ، وهو ما وافق هذا الحديث وشبهه من السنن ، وأوضحنا ذلك كله ومهدناه في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب ، فلم نر لتكرير ذلك هاهنا وجها ، وبالله التوفيق .




الخدمات العلمية