الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في الطيب في الحج

باب ما جاء في الطيب في الحج

حدثني يحيى عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت [ ص: 350 ]

التالي السابق


[ ص: 350 ] 7 - باب ما جاء في الطيب في الحج

727 721 - ( مالك عن عبد الرحمن بن القاسم ) بن محمد بن الصديق ( عن أبيه عن ) عمته ( عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ) ، وللتنيسي : حين يحرم ، ومعناها كما هنا لأنه لا يمكن أن يراد بالإحرام هنا فعل الإحرام لمنع التطيب في الإحرام ، وإنما المراد إرادة الإحرام لرواية النسائي حين أراد أن يحرم ، والمراد تطييب بدنه لا ثيابه لحديث : " كنت أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته " ، ولا يستحب تطيب الثياب عند إرادة الإحرام اتفاقا ، وشذ القائل باستحبابه .

( ولحله ) بعد أن يرمي ( قبل أن يطوف بالبيت ) طواف الإفاضة ، وفيه أن كان لا تقتضي التكرار لأنها لم تفعله إلا مرة واحدة في حجة الوداع كما في الصحيحين عن عروة عنها ، ورد بأن المدعى تكراره إنما هو التطيب لا الإحرام ، ولا مانع من تكرر الطيب قبل الإحرام مع كون الإحرام مرة واحدة ولا يخفى ما فيه ، ومر أن المختار عند الرازي وغيره أنها لا تقتضيه ، وعند ابن الحاجب تقتضيه ، وقال جماعة من المحققين : تقتضيه ظهورا وقد تدل قرينة على عدمه لكن يستفاد من كان المبالغة في إثبات ذلك ، والمعنى أنها كانت تكرر فعل التطييب لو تكرر منه فعل الإحرام لما علمته من حبه له ، على أن لفظة " كنت " لم تتفق الرواة عليها فرواها مالك وتابعه منصور ، وعند مسلم ويحيى بن سعيد عند النسائي كلاهما عن عبد الرحمن بلفظ " كنت " .

ورواه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بلفظ " طيبت " أخرجه البخاري ، وكذا سائر الطرق ليس فيها " كنت " .

وفيه استحباب التطيب عند إرادة الإحرام ، وجواز استدامته بعده ، وأنه لا يضر بقاء لونه ورائحته وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام ، وبه قال الأئمة الثلاثة والجمهور .

وقال مالك والزهري وجماعة من الصحابة والتابعين : يحرم التطيب عند الإحرام بطيب يبقى له رائحة بعده .

قال عياض : وتأولوا هذا الحديث على أنه طيب لا يبقى له ريح ، أو أنه أذهبه غسل الإحرام ، ويعضد الثاني رواية مسلم : " طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرما " ، فقد ظهرت علة تطييبه أنها كانت لمباشرة نسائه ، وأن غسله بعده لجماعهن وغسله للإحرام أذهبه لا سيما وقد ذكر أنه كان يتطهر من كل واحدة [ ص: 351 ] قبل معاودته للأخرى ، وأي طيب يبقى بعد اغتسالات كثيرة ، ويكون قولها : ثم أصبح ينضخ طيبا بالخاء المعجمة أي قبل غسله وإحرامه .

وجاء في رواية شعبة في هذا الحديث : " ثم أصبح محرما ينضخ طيبا " أي يصبح بنية الإحرام ، فيه تقديم وتأخير ، أي طاف على نسائه ينضخ طيبا ثم أصبح محرما .

وفي مسلم أي والبخاري أن الطيب الذي طيبته به زريرة ، وهي مما يذهبها الغسل ولا يبقى ريحها بعده ، وقولها : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم المراد أثره لا جرمه . انتهى بمعناه .

ورد النووي بأنه تأويل مخالف للظاهر بلا دليل عجيب ، فإن عياضا ذكر دليل التأويل كما ترى .

وقد قال ابن العربي : ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت ، وتعقب بما لأبي داود وابن أبي شيبة عن عائشة : " كنا ننضخ وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا " ، فهذا صريح في بقاء عين الطيب ، ولا صراحة فيه لأنهن اغتسلن والغسل يذهب عينه ، ومنشأ هذا الخلاف اللام في " لإحرامه " و " لحله " هل هي للتأقيت ؟ وبه قال مالك ومن وافقه كقوله تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) ( سورة الإسراء : الآية 78 ) ، أو للتعليل وبه قال الجمهور ، وأبطله في المفهم بأنها لو كانت له لكان الحل والإحرام علتين للتطيب ، وليس كذلك بل هو خلاف مقصود الشرع من المحرم قطعا .

وذهب الباجي وجماعة إلى أن الطيب للإحرام من خصائصه صلى الله عليه وسلم للقاء الملائكة ، ولأن المحرم إنما منع من الطيب لأنه من دواعي النكاح ، فنهى الناس عنه وكان هو أملك الناس لإربه ففعله ، ورجحه بعضهم بكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح ، وقد قال : " حبب إلي من دنياكم النساء والطيب " أخرجه النسائي .

وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالقياس ، وهو مردود بأنا لم نثبتها بالقياس بل بمخالفة فعله لنهيه عن الطيب ، فهذا ظاهر في الخصوصية ، وإنما جعلنا القياس سندا للاستدلال .

وأيد ابن عبد البر التخصيص بأنه لو كان للناس عامة ما جهله عمر وعثمان وابن عمر مع علمهم بالمناسك وغيرها وجلالتهم في الصحابة ، وموضع عطاء من علم المناسك موضعه ، وموضع الزهري من علم الأثر موضعه ، وفيه إباحة الطيب بعد رمي الجمرة والحلق وقبل طواف الإفاضة ، وقاله كافة العلماء إلا أن مالكا كرهه قبل الإفاضة ، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى وأبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة الأربعة عن مالك به ، وتابعه ابن عيينة ويحيى بن سعيد عند البخاري ، ومنصور بن زاذان عند مسلم ، وأيوب السختياني والأوزاعي وعبيد الله والليث عند النسائي كلهم عن عبد الرحمن بن القاسم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث