الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "يسألونك ماذا أحل لهم "

[ ص: 543 ] القول في تأويل قوله ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : يسألك ، يا محمد ، أصحابك : ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل ؟ فقل لهم : أحل لكم منها "الطيبات" ، وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح وأحل لكم أيضا مع ذلك ، صيد ما علمتم من"الجوارح" ، وهن الكواسب من سباع البهائم .

والطير سميت"جوارح" ، لجرحها لأربابها ، وكسبها إياهم أقواتهم من الصيد . يقال منه : "جرح فلان لأهله خيرا" ، إذا أكسبهم خيرا ، و"فلان جارحة أهله" ، يعني بذلك : كاسبهم ، و"لا جارحة لفلانة" ، إذا لم يكن لها كاسب ومنه قول أعشى بني ثعلبة .


ذات حد منضج ميسمها تذكر الجارح ما كان اجترح

[ ص: 544 ]

يعني : اكتسب .

وترك من قوله : "وما علمتم" ، "وصيد" ما علمتم من الجوارح ، اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام على ما ترك ذكره .

[ ص: 545 ]

وذلك أن القوم ، فيما بلغنا ، كانوا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بقتل الكلاب ، عما يحل لهم اتخاذه منها وصيده ، فأنزل الله عز ذكره فيما سألوا عنه من ذلك هذه الآية . فاستثنى مما كان حرم اتخاذه منها ، وأمر بقنية كلاب الصيد وكلاب الماشية ، وكلاب الحرث ، وأذن لهم باتخاذ ذلك .

ذكر الخبر بذلك :

11134 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا زيد بن حباب العكلي قال : حدثنا موسى بن عبيدة قال : أخبرنا أبان بن صالح ، عن القعقاع بن حكيم ، عن سلمى أم رافع ، عن أبي رافع قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن عليه ، فأذن له فقال : قد أذنا لك يا رسول الله! قال : أجل ، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب! قال أبو رافع : فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة ، فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها ، فتركته رحمة لها ، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته . فجاءوا فقالوا : يا رسول الله ، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين " .

[ ص: 546 ]

11135 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب ، فقتل حتى بلغ العوالي فدخل عاصم بن عدي ، وسعد بن خيثمة ، وعويم بن ساعدة ، فقالوا : ماذا أحل لنا يا رسول الله ؟ فنزلت : "يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين" .

11136 - حدثنا المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن الزبير قال : حدثونا عن محمد بن كعب القرظي قال : لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ، قالوا : يا رسول الله ، فماذا يحل لنا من هذه الأمة ؟ فنزلت : "يسألونك ماذا أحل لهم" ، الآية .

[ ص: 547 ]

ثم اختلف أهل التأويل في"الجوارح" التي عنى الله بقوله : " وما علمتم من الجوارح " .

فقال بعضهم : هو كل ما علم الصيد فتعلمه ، من بهيمة أو طائر .

ذكر من قال ذلك :

11137 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا ابن المبارك ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن في قوله : " وما علمتم من الجوارح مكلبين " ، قال : كل ما علم فصاد ، من كلب أو صقر أو فهد أو غيره .

11138 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا ابن فضيل ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن : "مكلبين" ، قال : كل ما علم فصاد من كلب أو فهد أو غيره .

11139 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في صيد الفهد قال : هو من الجوارح .

11140 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : " وما علمتم من الجوارح مكلبين " ، قال : الطير والكلاب .

11141 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن الحجاج ، عن عطاء ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد ، مثله .

11142 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا ابن عيينة ، عن حميد ، عن مجاهد : " مكلبين " ، قال : من الكلاب والطير .

11143 - حدثنا محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : "من الجوارح مكلبين " ، قال : من الطير والكلاب .

11144 - حدثنا المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

[ ص: 548 ]

11145 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا ابن علية قال : حدثنا شعبة ح ، وحدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن شعبة ، عن الهيثم ، عن طلحة بن مصرف قال : قال خيثمة بن عبد الرحمن : هذا ما قد بينت لك : أن الصقر والبازي من الجوارح .

11146 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة قال : سمعت الهيثم يحدث ، عن طلحة الإيامي ، عن خيثمة قال : بينت لك : أن الصقر والباز والكلب من الجوارح .

11147 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن علي بن حسين قال : الباز والصقر من الجوارح .

11148 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا يحيى بن يمان ، عن شريك ، عن جابر ، عن أبي جعفر قال : الباز والصقر من"الجوارح المكلبين" . .

11149 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : "وما علمتم من الجوارح مكلبين" ، يعني ب "الجوارح" ، الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها .

11150 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه : " وما علمتم من الجوارح مكلبين " ، قال : من الكلاب ، وغيرها من الصقور والبيزان وأشباه ذلك مما يعلم .

[ ص: 549 ]

11151 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " وما علمتم من الجوارح مكلبين " ، الجوارح : الكلاب والصقور المعلمة .

11152 - حدثني سعيد بن الربيع الرازي قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، سمع عبيد بن عمير يقول في قوله : "من الجوارح مكلبين " ، قال : الكلاب والطير .

وقال آخرون : إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله : " وما علمتم من الجوارح مكلبين " ، الكلاب دون غيرها من السباع .

ذكر من قال ذلك :

11153 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا أبو تميلة قال : حدثنا عبيد ، عن الضحاك : " وما علمتم من الجوارح مكلبين " ، قال : هي الكلاب .

11154 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " وما علمتم من الجوارح مكلبين " ، يقول : أحل لكم صيد الكلاب التي علمتوهن .

11155 - حدثنا هناد قال : حدثنا ابن أبي زائدة قال : أخبرنا ابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أما ما صاد من الطير والبزاة من الطير فما أدركت فهو لك ، وإلا فلا تطعمه .

قال أبو جعفر : وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال : "كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح ، وأن صيد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعليم" ، [ ص: 550 ] لأن الله جل ثناؤه عم بقوله : " وما علمتم من الجوارح مكلبين " ، كل جارحة ، ولم يخصص منها شيئا . فكل"جارحة" ، كانت بالصفة التي وصف الله من كل طائر وسبع ، فحلال أكل صيدها .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ما قلنا في ذلك خبر ، مع ما في الآية من الدلالة التي ذكرنا على صحة ما قلنا في ذلك ، وهو ما : -

11156 - حدثنا به هناد قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال : ما أمسك عليك فكل .

[ ص: 551 ]

فأباح صلى الله عليه وسلم صيد البازي وجعله من الجوارح . ففي ذلك دلالة بينة على فساد قول من قال : "عنى الله بقوله : "وما علمتم من الجوارح" ، ما علمنا من الكلاب خاصة ، دون غيرها من سائر الجوارح" .

فإن ظن ظان أن في قوله : " مكلبين " ، دلالة على أن الجوارح التي ذكرت في قوله : "وما علمتم من الجوارح " ، هي الكلاب خاصة ، فقد ظن غير الصواب .

وذلك أن معنى الآية : قل أحل لكم ، أيها الناس ، في حال مصيركم أصحاب كلاب الطيبات ، وصيد ما علمتوه الصيد من كواسب السباع والطير . فقوله : " مكلبين " ، صفة للقانص ، وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه . وهو نظير قول القائل يخاطب قوما : " أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين مؤمنين " . فمعلوم أنه إنما عنى قائل ذلك ، إخبار القوم أن الله جل ذكره أحل لهم ، في حال كونهم أهل إيمان ، الطيبات وصيد الجوارح التي أعلمهم أنه لا يحل لهم منه إلا ما صادوه به فكذلك قوله : " أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين " لذلك نظيره ، في أن التكليب للقانص بالكلاب كان صيده أو بغيرها لا أنه إعلام من الله عز ذكره أنه لا يحل من الصيد إلا ما صادته الكلاب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث