الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائتين

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 432 ] 271

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائتين

ذكر خلاف محمد وعلي العلويين

في هذه السنة دخل محمد ، وعلي ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدينة ، وقتلا جماعة من أهلها ، وأخذا من قوم مالا ، ولم يصل أهل المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جمع ، لا جمعة ، ولا جماعة ، فقال الفضل بن العباس العلوي في ذلك :


أخربت دار هجرة المصطفى الب ر فأبكى خرابها المسلمينا     عين فابكي مقام جبريل والقب
ر فبكى والمنبر الميمونا     وعلى المسجد الذي أسه التق
وى ، خلاء أمسى من العابدينا     وعلى طيبة التي بارك الل
ه عليها بخاتم المرسلينا



ذكر عزل عمرو بن الليث عن خراسان

وفيها أدخل المعتمد إليه حاج خراسان ، وأعلمهم أنه قد عزل عمرو بن الليث عما كان قلده ، ولعنه بحضرتهم ، وأخبرهم أنه قلد خراسان محمد بن طاهر ، وأمر أيضا بلعن عمرو على المنابر ، فلعن ، فسار صاعد بن مخلد إلى فارس لحرب عمرو ، فاستخلف محمد بن طاهر رافع بن هرثمة على خراسان ، فلم يغير السامانية عما وراء النهر .

[ ص: 433 ] ذكر وقعة الطواحين

وفي هذه السنة كانت وقعة الطواحين بين أبي العباس المعتضد وبين خمارويه بن أحمد بن طولون .

وسبب ذلك أن المعتضد سار من دمشق ، بعد أن ملكها نحو الرملة إلى عساكر خمارويه ، فأتاه الخبر بوصول خمارويه إلى عساكره ، وكثرة من معه من الجموع ، فهم بالعود ، فلم يمكنه من معه من أصحاب خمارويه الذين صاروا معه ، وكان المعتضد قد أوحش ابن كنداجيق ، وابن أبي الساج ، ونسبهما إلى الجبن ، حيث انتظراه ليصل إليها ، ففسدت نياتهما معه .

ولما وصل خمارويه إلى الرملة نزل على الماء الذي عليه الطواحين ، فملكه ، فنسبت الوقعة إليه ، ووصل المعتضد وقد عبأ أصحابه ، وكذلك أيضا فعل خمارويه ، وجعل له كمينا عليهم سعيدا الأيسر ، وحملت ميسرة المعتضد على ميمنة خمارويه ، فانهزمت ، فلما رأى ذلك خمارويه ، ولم يكن رأى مصافا قبله ، ولى منهزما في نفر من الأحداث الذين لا علم لهم بالحرب ولم يقف دون مصر .

ونزل المعتضد إلى خيام خمارويه ، وهو لا يشك في تمام النصر ، فخرج الذين عليهم سعيد الأيسر ، وانضاف إليه من بقي من جيش خمارويه ، ونادوا بشعارهم ، وحملوا على عسكر المعتضد وهم مشغولون بنهب السواد ، ووضع المصريون السيف فيهم ، وظن المعتضد أن خمارويه قد عاد ، فركب فانهزم ولم يلو على شيء ، فوصل إلى دمشق ، ولم يفتح له أهلها بابها ، فمضى منهزما حتى بلغ طرسوس ، وبقي العسكران يضطربان بالسيوف ، وليس لواحد منها أمير .

وطلب سعيد الأيسر خمارويه فلم يجده ، فأقام أخاه أبا العشائر ، وتمت الهزيمة على العراقيين ، وقتل منهم خلق كثير وأسر كثير .

وقال سعيد للعساكر : إن هذا أخو صاحبكم ، وهذه الأموال تنفق فيكم ، ووضع العطاء ، فاشتغل الجند عن الشغب بالأموال ، وسيرت البشارة إلى مصر ، ففرح خمارويه بالظفر ، وخجل للهزيمة ، غير أنه أكثر الصدقة ، وفعل مع الأسرى فعلة لم يسبق إلى مثلها [ ص: 434 ] أحد قبله ، فقال لأصحابه : إن هؤلاء أضيافكم فأكرموهم ، ثم أحضرهم بعد ذلك وقال لهم : من اختار المقام عندي فله الإكرام والمواساة ، ومن أراد الرجوع جهزناه وسيرناه ، فمنهم من أقام ومنهم من سار مكرما ، وعادت عسكر خمارويه إلى الشام ففتحته أجمع ، فاستقر ملك خمارويه له .

ذكر الحرب بين عسكر الخليفة ، وعمرو الصفار

في هذه السنة عاشر ربيع الأول كانت وقعة بين عساكر الخليفة وفيها أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف ، وبين عمرو بن الليث الصفار ، ودامت الحرب من أول النهار إلى الظهر ، فانهزم عمرو وعساكره ، وكانوا خمسة عشر ألفا بين فارس وراجل ، وجرح الدرهمي مقدم جيش عمرو بن الليث ، وقتل مائة رجل من حماتهم ، وأسر ثلاثة آلاف أسير ، استأمن منهم ألف رجل ، وغنموا من معسكر عمرو من الدواب والبقر والحمير ثلاثين ألف رأس ، وما سوى ذلك فخارج عن الحد .

ذكر حروب الأندلس وإفريقية

في هذه السنة سير محمد صاحب الأندلس جيشا مع ابنه المنذر إلى مدينة بطليوس ، فزال عنها ابن مروان الجليقي ، وكان مخالفا ، كما ذكرنا ، وقصد حصن أشير غرة فتحصن به ، فأحرق المنذر بطليوس ، وسير محمد أيضا جيشا مع هاشم بن عبد العزيز إلى مدينة سرقسطة ، بها محمد بن لب بن موسى ، فملكها هاشم ، وأخرج منها محمدا ، وكان معه عمر بن حفصون الذي ذكرنا خروجه على صاحب الأندلس فصالحه .

فلما عادوا إلى قرطبة هرب عمر بن حفصون ، وقصد بربشتر مخالفا ، فاهتم صاحب الأندلس به ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى .

[ ص: 435 ] وفيها سارت سرية للمسلمين عظيمة بصقلية إلى رمطة ، فخربت وغنمت وسبت ، وأسرت كثيرا وعادت .

وتوفي أمير صقلية ، وهو الحسين بن أحمد ، فولي بعده سوادة بن محمد بن خفاجة التميمي ، وقدم إليها ، فسار عسكر كبير إلى مدينة قطانية فأهلك ما فيها ، وسار إلى طبرمين فقاتل أهلها ، وأفسد زرعها ، وتقدم فيها ، فأتاه رسول بطريق الروم يطلب الهدنة ، والمفاداة ، فهادنه ثلاثة أشهر ، وفاداه ثلاثمائة أسير من المسلمين ، فرجع سوادة إلى بلرم .

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة عقد لأحمد بن محمد الطائي على المدينة ، وطريق مكة ، فوثب يوسف بن أبي الساج - وهو والي مكة - على بدر غلام الطائي ، وكان أميرا على الحاج ، فحاربه ، وأسره ، فثار الجند بيوسف ، فقاتلوه ، واستنقذوا بدرا ، وأسروا يوسف ، وحملوه إلى بغداذ ، وكانت الحرب بينهم على أبواب المسجد الحرام .

وفيها خربت العامة الدير العتيق الذي وراء نهر عيسى ، وانتهبوا ما فيه ، وقلعوا أبوابه ، فسار إليهم الحسين بن إسماعيل ، صاحب شرطة بغداذ من قبل محمد بن طاهر ، فمنعهم من هدم ما بقي منه ، وكان يتردد هو والعامة إليه أياما ، حتى كاد أن يكون بينهم حرب ، ثم بنى ما هدم بعد أيام ، وكانت إعادة بنائه بقوة عبدون أخي صاعد بن مخلد . وحج بالناس هارون بن إسحاق .

[ الوفيات ] وفيها توفي عبد الرحمن بن محمد بن منصور البصري .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث