الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بيان زوال تطهيره

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 37 ] باب بيان زوال تطهيره .

6 - ( عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقالوا : يا أبا هريرة كيف يفعل ؟ قال : يتناوله تناولا } . رواه مسلم وابن ماجه ، ولأحمد وأبي داود : { لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ، ولا يغتسل فيه من جنابة } ) .

التالي السابق


قوله : ( الماء الدائم ) هو الساكن قال في الفتح : يقال : دوم الطائر تدويما إذا صف جناحيه في الهواء فلم يحركهما . والرواية الأولى من حديث الباب تدل على المنع من الاغتسال في الماء الدائم للجنابة وإن لم يبل فيه ، والرواية الثانية تدل على المنع من كل واحد من البول والاغتسال فيه على انفراده ، وسيأتي في باب حكم الماء إذا لاقته نجاسة ، حديث أبي هريرة هذا بلفظ : " ثم يغتسل فيه " .

ويأتي البحث عن حكم البول في الماء الدائم والاغتسال فيه هنالك . وقد استدل بالنهي عن الاغتسال في الماء الدائم على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلا للتطهير ، لأن النهي ههنا عن مجرد الغسل فدل على وقوع المفسدة بمجرده ، وحكم الوضوء حكم الغسل في هذا الحكم ; لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات ، والوضوء يقذر الماء كما يقذره الغسل .

وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أكثر العترة وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي ، والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنهما وأبو حنيفة في رواية عنه .

واحتجوا بهذا الحديث وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة ، واحتج لهم في البحر بما روي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط منه ، وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير مستعملا بل مصيره مستخبثا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه ، ويوضح ذلك قول أبي هريرة : يتناوله تناولا ، وباضطراب متنه ، وبأن الدليل أخص من الدعوى ، لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة ، والمدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية وعن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملا ولو سلم ، فالدليل أخص من الدعوى ; لأن المدعى خروج كل مستعمل ، عن الطهورية لا خصوص هذا المستعمل وبالمعارضة بما أخرجه مسلم وأحمد من حديث ابن عباس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان يغتسل بفضل ميمونة } وأخرجه أحمد أيضا ، وابن ماجه بنحوه من حديثه .

وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي ، والترمذي وصححه من حديثه [ ص: 38 ] بلفظ : { اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها أو يغتسل فقالت له : يا رسول الله إني كنت جنبا فقال : إن الماء لا يجنب } ، وأيضا حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال سيأتي بيانه في بابه ، وعن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم لا بما تساقط بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم ، ولا سبيل إلى ذلك ; لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم كالحسن البصري والزهري والنخعي ومالك والشافعي وأبي حنيفة في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين ، ونسبه ابن حزم إلى عطاء وسفيان الثوري وأبي ثور وجميع أهل الظاهر ، وبأن المتساقط قد فني ; لأنهم لم يكونوا يتوضئون إلى إناء ، والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء ، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار ، وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية ، وتحتم البقاء على البراءة الأصلية لا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة كحديث : { خلق الماء طهورا } وحديث { مسحه صلى الله عليه وسلم رأسه بفضل ماء كان بيده } وسيأتي وغيرهما .

وقد استدل المصنف - رحمه الله - بحديث الباب على عدم صلاحية المستعمل للطهورية فقال : وهذا النهي عن الغسل فيه يدل على أنه لا يصح ولا يجزي وما ذاك إلا لصيرورته مستعملا بأول جزء يلاقيه من المغتسل فيه ، وهذا محمول على الذي لا يحمل النجاسة ، أما ما يحملها فالغسل فيه مجزئ ، فالحدث لا يتعدى إليه حكمه من طريق الأولى انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث