الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثبوت شفاعة الرسول لأهل الكبائر من أمته

النوع الثامن : شفاعته في أهل الكبائر من أمته ، ممن دخل النار ، فيخرجون منها ، وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث . وقد خفي علم ذلك على الخوارج والمعتزلة ، فخالفوا في ذلك ، جهلا منهم بصحة الأحاديث ، وعنادا ممن علم ذلك واستمر على بدعته . وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضا . وهذه الشفاعة تتكرر منه صلى الله عليه وسلم أربع مرات . ومن أحاديث هذا النوع ، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي . رواه الإمام أحمد رحمه الله .

وروى البخاري رحمه الله في كتاب التوحيد : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا معبد بن هلال العنزي ، قال : [ ص: 291 ] اجتمعنا ناس من أهل البصرة ، فذهبنا إلى أنس بن مالك ، وذهبنا معنا بثابت البناني إليه ، يسأله لنا عن حديث الشفاعة ، فإذا هو في قصره ، فوافقناه يصلي الضحى ، فاستأذنا ، فأذن لنا وهو قاعد على فراشه ، فقلنا لثابت : لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة ، فقال : يا أبا حمزة ، هؤلاء إخوانك من أهل البصرة ، جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة ، فقال : حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا كان يوم القيامة ، ماج الناس بعضهم في بعض ، فيأتون آدم ، فيقولون : اشفع لنا إلى ربك ، فيقول : لست لها ولكن عليكم بإبراهيم ، فإنه خليل الرحمن ، فيأتون إبراهيم ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بموسى ، فإنه كليم الله ، فيأتون موسى ، فيقول : لست لها ، لكن عليكم بعيسى ، فإنه روح الله وكلمته ، فيأتون عيسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فيأتوني ، فأقول : أنا لها ، فأستأذن على ربي فيؤذن لي ، ويلهمني محامد أحمده بها ، لا تحضرني الآن ، فأحمده بتلك المحامد ، وأخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل [ ص: 292 ] يسمع لك ، واشفع تشفع ، وسل تعط ، فأقول : يا رب أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، واشفع تشفع ، وسل تعط ، فأقول : يا رب أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ، أمتي أمتي ، فيقول : انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ، فأخرجه من النار ، فأنطلق فأفعل . قال : فلما خرجنا من عند أنس ، قلت لبعض أصحابنا لو مررنا بالحسن ، وهو متوار في منزل أبي خليفة ، فحدثناه بما حدثنا به أنس بن مالك ، فأتيناه ، فسلمنا عليه ، فأذن لنا ، فقلنا له : يا أبا سعيد ، جئناك من عند أخيك أنس بن مالك ، فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة ، فقال : هيه ؟ فحدثاه بالحديث ، فانتهى إلى هذا الموضع ، فقال : هيه ؟ فقلنا لم يزد لنا على هذا ، فقال : لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة ، فما أدري ، أنسي أم كره أن تتكلوا ؟ فقلنا : يا أبا سعيد ، فحدثنا ، فضحك وقال : خلق الإنسان عجولا ! ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم ، [ ص: 293 ] حديثي كما حدثكم به ، قال : ثم أعود الرابعة ، فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ، ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله ، فيقول : وعزتي وجلالي ، وكبريائي وعظمتي ، لأخرجن منها من قال : لا إله إلا الله . وهكذا رواه مسلم .

وروى الحافظ أبو يعلى عن عثمان رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء . وفي الصحيح من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا ، قال : فيقول الله تعالى : شفعت الملائكة ، وشفع النبيون ، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة من النار ، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط ، الحديث .

ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال :

فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ [ ص: 294 ] وغيرهم : يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا . والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الكبائر . وأما أهل السنة والجماعة ، فيقرون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر ، وشفاعة غيره ، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حدا ، كما في الحديث الصحيح ، حديث الشفاعة : إنهم يأتون آدم ، ثم نوحا ، ثم إبراهيم ، ثم موسى ، ثم عيسى ، فيقول لهم عيسى عليه السلام : اذهبوا إلى محمد ، فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فيأتوني ، فأذهب ، فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا ، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي ، لا أحسنها الآن ، فيقول : أي محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع ، واشفع تشفع ، فأقول : ربي أمتي ، فيحد لي حدا ، فأدخلهم الجنة ، ثم أنطلق فأسجد ، فيحد لي حدا ذكرها ثلاث مرات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث