الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      الخامس عشر : المعارضة وهي من أقوى الاعتراضات . قال الأستاذ أبو منصور : وقيل : هي إلزام الجمع بين شيئين والتسوية بينهما في الحكم نفيا أو إثباتا . وقيل : إلزام الخصم أن يقول قولا قال بنظيره [ ص: 415 ] والفرق بينه وبين المناقضة من حيث إن كلا نقض معارضة ، بخلاف العكس . وأيضا فالنقض لا يكون بالدليل ، والمعارضة بالدليل على الدليل صحيحة ( قال ) : وهي ترجع إلى الاستفهام ( قال ) وقد اختلفوا فيها : فأثبتها أكثر أهل النظر ، وزعم قوم أنها ليست بسؤال صحيح . واختلف مثبوتها في الثابت منها ، فقيل : إنها تصح معارضة الدلالة بالدلالة والعلة ، ولا تجوز معارضة الدعوى بالدعوى . وهو اختيار أبي هاشم بن الجبائي ، وحكاه أصحابه عن الجبائي ، ووجدنا في كتابه خلافه . وذكر الكعبي في جدله " جواز معارضة الدعوى بالدعوى .

                                                      وقال إلكيا الطبري : المعارضة إظهار علة معارضة لعلة ، أو لعلل ، في نقيض مقتضاها . هذا أصل الباب ، ولا يجري إلا في الظنيات ثم يرجح أحد الظنين على الآخر بوجه من وجوه الترجيح . وكذلك المعارضة بعد العجز عن كل اعتراض قدمناه ، فإن فساد الوضع والمنع لا يصلح على حياله اقتضاء الحكم حتى يعارض به . وإنما المعارضة حيث لو لم يقدر لاستقلت العلة في نفسها أو جنسها باقتضاء الحكم لوجود أصل الظن المعتبر ، ولكن المعارض منع اعتبارها دون ترجيح . فالحرف : المعارضة تبين أنه لا بد من زيادة على أصل الظن المعتبر في هذا المجال على الخصوص . واحتج أبو بكر الصيرفي على علة صحة الحجاج بالمعارضة بأن الله تعالى أثبتها على الكفار فقال : { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } يعني أن بطلان الوصول إلى ذي العرش علة عجزهم ، ومن صح عجزه ثبت نقصه واستحال وصفه بما وصفتم . [ ص: 416 ]

                                                      واعلم أن المعارضة إما في الأصل أو في الفرع أو في الوصف : أما المعارضة في الأصل فإن ذكر علة أخرى في الأصل سوى علة المعلل وتكون تلك العلة معدومة في الفرع ، ونقول : إن الحكم في الأصل نشأ بهذه العلة التي ذكرتها لا بالعلة التي ذكرها الحنفي في تبييت النية : صوم عين فتأدى بالنية قبل الزوال ، كالنفل . فيقال : ليس المعنى في الأصل ما ذكرت ، بل المعنى فيه أن النفل من عمل السهولة والخفة ، فجاز أداؤه بنية متأخرة عن الشروع ، بخلاف الفرض . قال ابن السمعاني والصفي الهندي : وهذا هو سؤال الفرق ، فسيأتي فيه ما سبق وذكره غيرهم أنه لا فرق بين أن تكون العلة يبديها المعترض مستقلة بالحكم كمعارضة الكيل بالطعم ، أو غير مستقلة على أنها جزء العلة ، كزيادة الجارح إلى القتل العمد العدوان في مسألة القتل بالمثقل . وقد اختلف الجدليون في قبوله ، فقيل : لا يقبل ، بناء على منع التعليل بعلتين . قال ابن عقيل : ولأنها ليست مسألة ولا جوابا ، وبه جزم أبو بكر محمد بن أحمد البلعمي الحنفي في كتابه الغرر في الأصول " قال : لأن للمستدل أن يقول : لا تنافي بينهما ، بل أقول بالعلتين جميعا . قال : وليست مناقضة لأنها سد مجرى العلة ولم يسد عليه المجيب مناقضة من العلة . وقيل : يقبل ، وبه جزم ابن القطان وغيره بناء على جواز ذلك ، وعليه جمهور الجدليين ( قالوا ) لأنه إذا ظهر في الأصل وصفان كل واحد منهما صالح للاستقلال فإنه يتعارض عند النظر ثلاثة احتمالات :

                                                      أحدها - أن تكون العلة وصف المستدل خاصة .

                                                      والثاني - أن تكون وصف المعترض خاصة .

                                                      والثالث - أن تكون مجموع الوصفين . وإذا تعارضت الاحتمالات فالقول بتعيين واحد منها من غير مرجح تحكم [ ص: 417 ] محض ، وهل يقتضي إبطال الدليل ؟ فيه قولان - حكاهما الأستاذ أبو إسحاق في شرح الترتيب : أحدهما - أنه يتم دليل المسئول بالمعارضة ، لأنه إن كان صحيحا فما يعارضه به خصمه يستحيل دليلا . وإن لم يكن صحيحا فعليه أن يرى المستدل فساده . فإن لم يقدر بان عجزه .

                                                      والثاني - أنه ما لم يفسد المسئول تلك المعارضة لا يتم دليله - لجواز أن تكون المعارضة هي الصحيحة ودليل المسئول يشبهه ، غير أن السائل عجز عن إيراد ما يفسده . واعلم أن بناء الخلاف في قبول هذا السؤال ورده على تعليل الحكم بعلتين . فإن جوزنا لم يقبل ، وإلا قبل : ذكره إمام الحرمين في " البرهان " وإلكيا الطبري ، ونازعه شارحه ابن المنير فقال : نحن وإن فرضنا جواز اجتماع العلل المستقلة فإنه يتجه ذلك إذا شهدت الأصول بالاستقلال والتعداد . وإنما يتحقق ذلك إذا شهد لكل علة أصل انفردت فيه ثم اجتمعت في محل آخر ، كاجتماع الحيض والإحرام ، فإن استقلال كل منهما بجميع علته حيث ينفرد ثم يقع الآخر حيث يجتمع ، فقائل يقول : أجمعنا على الحكم الواحد ، وآخر يقول : لكل حكم علة فاجتمع علتان وحكمان . أما إذا فرضنا إبداء السؤال علة ، فعارضه السائل بعلة أخرى ففرضهما علتين مستقلتين يستدعي انفراد كل منهما في أصل سوى محل الاجتماع ، فإذا لم يظفر الانفراد فالمعارضة واردة ، بناء على خلل شهادة الأصل ، لأن المسئول إن قال : الباعث هو المعنى الذي أبديته قال السائل : الباعث معناه ، أو الأمران معا ، بحيث يكون كل منهما جزء علة . فهذه احتمالات [ ص: 418 ] متساوية ، والمستدل في تعيين مقصوده بالدعوى متحكم . ولهذا لو لم نعتبر شهادة الأصول وأجزنا المرسلات لم يرد هذا السؤال . وهل يجب على المعترض بيان انتفاء الوصف الذي عارض به الأصل عن الفرع ؟ فيه مذاهب :

                                                      ( أحدها ) وهو المختار ، أنه لا يجب ، لأنه إن كان في الفرع افتقر المستدل إلى بيانه فيه ليصح الإلحاق ، وإن لم يبين ذلك بطل الجمع .

                                                      و ( الثاني ) يجب نفيه ، لأن الفرق لا يتم إلا بذلك .

                                                      و ( الثالث ) وبه أجاب الآمدي وابن الحاجب ، إن قصد الفرق فلا بد من نفيه ، وإلا فلا ، لأنه يقول : إن لم يكن موجودا فيه فهو فرق ، وإلا فالمستدل لم يذكر إلا بعض العلة . وعلى التقديرين فلا بد من إشكال . هذا إذا كان المقيس عليه أصلا واحدا ، فإن كان أصولا فقيل : لا يرد ، لأن الاكتفاء بأصل آخر عن هذا حاصل . وقيل : يرد ، لأنه أقوى في إفادة الظن . والقائلون بالرد اختلفوا في الاقتصار في المعارضة على أصل واحد ، فقيل : يكفي لأن المستدل قصد جمع الأصول ، فإذا ذهب واحد ذهب غرضه وقيل : لا بد من الجمع لأن المستقل يكتفي بأصل واحد . والقائلون بالتعميم اختلفوا ، فمنهم من شرط اتحاد المعارض في الكل ، دفعا لانتشار الكلام ، وقيل : لا يلزم ، لجواز أن لا يساعده في الكل علة واحدة . ثم اختلف هؤلاء ، فقيل : يقتصر المستدل في الجواب على أصل واحد ، لأنه به يتم مقصوده . وقيل : لا بد من الجواب عن الكل ، لأنه التزم القياس على الكل . [ ص: 419 ]

                                                      وجواب المعارضة من وجوه :

                                                      أحدهما - منع وجود الوصف المعارض به ، بأن يقول : لا أسلم وجود الوصف في الأصل .

                                                      ( الثاني ) - منع المناسبة ، أو منع الشبه إن أثبته بهما لأن من شرط المعارض أن يكون صالحا للتعليل ، ولا يصلح إلا إذا كان مناسبا أو شبها ، إذ لو كان طردا لم يكن صالحا . وإنما لم يكتف من المعترض بالوصف الشبهي في قياس الإخالة ، لأن الوصف الشبهي أدنى من المناسب ، فلا يعارضه . فإن كان أثبته بطريق السبر والتقسيم فليس له أن يطالب المعترض بالتأثير ، فإن مجرد الاحتمالات كاف ، فمن دفع السبر فعليه دفعه ليتم له طريق السبر .

                                                      الثالث ، والرابع - أن يقول : ما ذكروه من الوصف خفي فلا يعلل به أمر غير منضبط أو غير ظاهر أو غير وجودي ونحوه من قوادح العلة . كذا ذكره الجدليون . قال ابن رحال : وهو ضعيف ، لأن الظهور والانضباط إنما يشترط في صحة نصبه أمارة ، أما في ثبوت الحكم لأجله فلا ، لأن الحكم يصح ثبوته للخفي والمضطرب ، ولكن إذا أريد نصبه أمارة تعين النظر إلى مظنته . والمعارض هاهنا ليس مقصوده نصب الأمارة ، وإنما مقصوده ما ثبت الحكم لأجله ، فلا معنى لتكليفه إثبات الظهور والانضباط . فإن قيل : فقد جعلتم من الأسئلة النزاع في ظهور الوصف وانضباطه ، وإذا صحت مطالبة المستدل بذلك لكونه شرطا في صحة التعليل صحت مطالبة المعترض به ، قلنا : الفرق بينهما أن المستدل جمع بين الأصل والفرع بوصف ادعى أنه منصوب أمارة ، فظهوره وانضباطه شرط في صحة نصبه أمارة ، وليس كذلك المعترض ، فإنه لم يدع الأمارة وإنما مقصوده طريق الإجمال لشهادة الأصل مما ثبت الحكم لأجله ، والظهور والانضباط ليس شرطا في ذلك ، فافترقا . [ ص: 420 ]

                                                      الخامس - بيان أنه راجع إلى عدم وصف موجود في الفرع ، لا إلى ثبوت معارض في الأصل المتقدم ، وهذا إنما يكفي إذا قلنا : لا يصح التعليل بالعدم ، فإن جوزناه لم يكف هذا في الجواب ، بل لا بد أن يقدح فيه لوجه آخر غير كونه عدما . هذا كله إذا تحقق أن الوصف عدم في الأصل ثبوت في الفرع .

                                                      السادس - إلغاء الوصف الذي وقعت به المعارضة وقد استشكل هذا بأن الإلغاء ضربان : ( أحدهما ) إلغاء بإيماء النص . و ( الثاني ) إلغاء بتبديل الأصل .

                                                      فالأول فيه انتقال من مسلك اجتهادي إلى مسلك نقلي ، والانتقال من أقبح الانقطاع ، ولأنه لو استدل بإيماء النص أولا لأغناه ذلك عن المسالك الاجتهادية ، فأي فائدة في هذا التطويل ؟ فينبغي أن لا يقبل استدلاله أولا . كما قالوا فيما إذا استدل بقياس على وجه لا بد له من الترجيح بالنص .

                                                      وأما الثاني ففيه انتقال من محل إلى محل ، مع بقاء مسلك المناسبة والاقتران ، مع أن في [ ذلك ] تطويل الطريق بلا فائدة . إذا علمت ذلك فالإلغاء ضربان :

                                                      أحدهما : بإيماء النص ، وهو قسمان :

                                                      أحدهما : ما لا يتصور الجمع بينه وبين وصف المستدل ، لقيام الإجماع على أن العلة في الأصل غير مركبة ، بل لا يكون إلا وصفا واحدا ، كقول الشافعي فيما لا يكال ولا يوزن من القثاء والبطيخ إنه يجري فيه الربا ، لأنه مطعوم ، فالتحق بالأشياء الأربعة . فعارض الحنفي في الأصل بالكيل . فيقول الشافعي : وصف الكيل ملغى بإيماء قوله صلى الله عليه وسلم : { لا تبيعوا الطعام [ ص: 421 ] بالطعام ، إلا سواء بسواء } فإنه يدل على التحريم على هذه الصفة ، وترتيب الحكم على الوصف المشتق يدل على كونه علة مستقلة . فإن قيل للشافعي : تركت النص أولا : فلم تستدل به ، واستدللت بغيره على وجه لا بد لك معه من النص ، وهذا تطويل . فالجواب أنه لو استدل أولا بالنص لاحتاج أن يثبت أن الاسم المفرد يقتضي الاستغراق ، وهي مسألة أخرى فكان الأقرب إلى مقصوده أن يستدل بغير النص ويدخر النص لمقصوده الإلغاء ، وهذا مقصود صحيح . فإن كان هذا العذر مطردا في جميع صور الإلغاء كان السؤال السابق مندفعا .

                                                      وثانيهما ما يتصور فيه الجمع بين الوصفين ، كقول الشافعي في المرتدة : يجب قتلها ، لأنه شخص كفر بعد إيمانه ، كالرجل . فيقول الحنفي : أعارض في الأصل : الوصف في الرجولية فإنه مناسب لما فيه من الإضرار الناجز بالمسلمين ، وذلك مفقود في المرأة . فيقول الشافعي : وصف الرجولية ملغى بإيماء قوله صلى الله عليه وسلم : { من بدل دينه فاقتلوه } فإنه يدل على قتل جميع المرتدين من جهة تعليقه بصيغة العموم بوصف ( التبديل ) .

                                                      الثاني : إلغاء بتبديل الأصل : وصورته أن يبين المستدل صورة ثالثة يثبت فيها الحكم المتنازع فيه بالإجماع على وفق علته بدون ما عارض به المعترض في الأصل الثاني ، إذ لا يتصور أن يكون معتبرا فيه مع كونه معدوما . وأما المعارضة في الفرع : فهي أن يعارض حكم الفرع بما يقتضي نقيضه أو ضده ، بنص أو إجماع ، أو بوجود مانع ، أو بفوات شرط . فيقول : ما ذكرت من الوصف وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي نقيضه ، فتوقف دليلك . مثال النقيض : إذا باع الجارية إلا [ ص: 422 ] حملها صح في وجه ، كما لو باع هذه الصيعان إلا صاعا . فنقول : لا يصح ، كما لو باع الجارية إلا يدها . ومثال الضد : الوتر واجب ، قياسا على التشهد في الصلاة ، بجامع مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم ، فنقول : فيستحب قياسا على الفجر ، بجامع أن كلا منهما يفعل في وقت معين لفرض معين من فروض الصلاة ، فإن الوتر في وقت العشاء والفجر في وقت الصبح ، ولم يعهد من الشرع وضع صلاتي فرض في وقت واحد .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية