الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 35 ] ثم دخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة

فيها كان خلع المقتدر وتولية القاهر محمد بن المعتضد بالله أخي المقتدر بالله .

في المحرم من هذه السنة اشتدت الوحشة بين مؤنس الخادم والخليفة ، فالتف الأمراء على مؤنس الخادم وتفاقم الحال وآل إلى أن اجتمعوا على خلع المقتدر بالله وتولية محمد بن المعتضد ، فبايعوه بالخلافة وسلموا عليه بها ، ولقبوه القاهر بالله ، وذلك ليلة السبت للنصف من المحرم من هذه السنة ، وقلد أبو علي بن مقلة وزارته ، ونهبت دار المقتدر ، وأخذوا منها شيئا كثيرا ، ووجد لأم المقتدر ستمائة ألف دينار قد دفنتها في قبر بتربتها ، فحملت إلى بيت المال ، وأخرج المقتدر وأمه وخالته وخواص جواريه من دار الخلافة ، وذلك بعد محاصرة دار الخلافة ، وهرب من كان بها من الحجبة والخدم منها ، وولي نازوك الحجوبة مضافا إلى ما بيده من الشرطة ، وألزم المقتدر بأن كتب على نفسه كتابا بالخلع من الخلافة ، وأشهد على نفسه بذلك جماعة من الأمراء وسلم الكتاب إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف ، فقال لولده أبي الحسين : احتفظ بهذا الكتاب ، فلا يرينه أحد من خلق الله . فلما أعيد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين رده إليه ، فشكره على ذلك جدا وولاه قضاء القضاة . ولما كان يوم الأحد السادس عشر من المحرم جلس القاهر بالله في منصب الخلافة ، وجلس بين يديه الوزير أبو علي [ ص: 36 ] بن مقلة ، وكتب إلى العمال بالآفاق يخبرهم بولاية القاهر بالخلافة عوضا عن المقتدر ، وأطلق علي بن عيسى من السجن ، وزاد في أقطاع جماعة من الأمراء الذين قاموا بنصره ، منهم أبو الهيجاء بن حمدان .

فلما كان يوم الاثنين جاء الجند فطلبوا أرزاقهم وشغبوا ، وسارعوا إلى نازوك فقتلوه - وكان مخمورا - ثم صلبوه ، وهرب الوزير ابن مقلة والحجبة ، ونادوا : يا مقتدر يا منصور . ولم يكن مؤنس يومئذ حاضرا ، وجاءت الجنود إلى بابه يطالبونه بالمقتدر ، فأغلق بابه ، وحاجف دونه خدمه ، فلما رأى مؤنس أنه لا بد من تسليم المقتدر إليهم أمره بالخروج ، فخاف أن يكون حيلة عليه ، ثم تجاسر فخرج ، فحمله الرجال على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة ، فسأل عن أخيه القاهر وأبي الهيجاء بن حمدان ليكتب لهما أمانا ، فما كان عن قريب حتى جاءه خادم ومعه رأس أبي الهيجاء قد احتزه وأخرجه من بين كتفيه ، وجاء المقتدر بالله فجلس في الدست ، واستدعى بالقاهر فأجلسه بين يديه واستدناه إليه ، وقبل بين عينيه ، وقال : يا أخي ، أنت لا ذنب لك ، وقد علمت أنك قهرت . والقاهر يقول : الله الله ، نفسي نفسي يا أمير المؤمنين . فقال : وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جرى عليك مني سوء أبدا . وعاد ابن مقلة ، فكتب إلى الآفاق يعلمهم بعود المقتدر ، وتراجعت الأمور إلى حالها الأول ببغداد ، واستقر المقتدر في الخلافة كما كان ، وحمل رأس نازوك وأبي الهيجاء بن حمدان ، فنودي عليهما : هذا جزاء من عصى مولاه . وهرب أبو السرايا بن حمدان إلى الموصل وكان ابن نفيس من أشد الناس على المقتدر ، فلما عاد إلى الخلافة خرج [ ص: 37 ] من بغداد متنكرا ، فدخل الموصل ثم صار إلى أرمينية ثم لحق بمدينة القسطنطينية فتنصر مع أهلها ، لعنه الله وإياهم . وأما مؤنس فإنه لم يكن في الباطن على المقتدر وإنما وافق جماعة الأمراء مكرها ، ولهذا لما أودع المقتدر في داره لم ينله منه سوء ، بل كان يطيب قلبه ، ولو شاء لقتله لما طلب من داره ، فلهذا لما عاد إلى الخلافة رجع إلى دار مؤنس ، فبات بها عنده لثقته به . وقرر أبا علي بن مقلة على الوزارة ، وولى محمد بن يوسف أبا عمر قضاء القضاة ، وجعل محمدا أخاه - وهو القاهر بالله - عند والدته بصفة محتبس عندها ، فكانت تحسن إليه غاية الإحسان ، وتشتري له السراري وتكرمه غاية الإكرام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث