الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله عز وجل:

الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى

قوله تعالى: "الذين" نعت لـ "الذين" المتقدم قبله، و"يجتنبون" معناه: يدعون جانبا، وقرأ جمهور القراء والناس: "كبائر الإثم"، وقرأ ابن وثاب ، وطلحة ، والأعمش ، وعيسى ، وحمزة ، والكسائي : "كبير الإثم" على الإفراد الذي يراد به الجمع، وهذا كقوله تعالى: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ، وكقوله تعالى: وحسن أولئك رفيقا .

واختلف الناس في الكبائر، ما هي؟ فذهب الجمهور إلى أنها السبع الموبقات التي [ ص: 121 ] وردت في الأحاديث، وقد مضى القول في ذكرها واختلاف الأحاديث فيها في سورة [النساء]، وتحرير القول في الكبائر أنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا وتوعد بنار في الآخرة، أو لعنة ونحو هذا خاص بها، فهي كثيرة العدد، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما -حين قيل له: أسبع هي؟- فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وقال زيد بن أسلم : كبير الإثم هنا يراد به الكفر. و"الفواحش" هي المعاصي المذكورة، وقوله تعالى: "إلا اللمم" هو استثناء يصح أن يكون متصلا، وإن قدرته منقطعا ساغ ذلك.

واختلف الناس في معنى "اللمم"، فقال ابن عباس ، وابن زيد : معناه: ما ألموا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل الإسلام، قال الثعلبي ، عن ابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وزيد بن أسلم ، وأبيه: إن سبب الآية أن الكفار قالوا للمسلمين: قد كنتم بالأمس تعملون أعمالنا، فنزلت الآية، فهي مثل قوله تعالى: وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: معناه: إلا ما ألموا من المعاصي، الفلتة والسقطة دون دوام، ثم يتوبون منه، ذكر الطبري عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: في اللمة من الزنا والسرقة وشرب الخمر ثم لا يعود، وهذا كالذي قبله، فكأن هذا التأويل يقتضي الرفق بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى; إذ الغالب في المؤمنين مواقعة المعاصي، وعلى هذا أنشدوا -وقد تمثل به النبي صلى الله عليه وسلم-:


إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما



[ ص: 122 ] وقال أبو هريرة ، وابن عباس ، والشعبي ، وغيرهم: اللمم: صغار الذنوب التي بين الحدين الدنيا والآخرة، وهي ما لا حد فيه ولا وعيد مختصا بها مذكورا لها، وإنما يقال صغار بالإضافة إلى غيرها، وإلا فهي بالإضافة إلى الناهي عنها كبائر كلها، ويعضد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النطق، والفرج يكذب ذلك أو يصدقه، فإن تقدم فرجه فهو زان، وإلا فهو اللمم" ، وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار، فالناس لا يتخلصون من مواقعة هذه الصغائر، ولهم -مع ذلك- الحسنى إذا اجتنبوا التي هي في نفسها كبائر، وتظاهر العلماء في هذا القول وكثر المائل إليه، وذكر الطبري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: اللمم ما دون الشرك، وهذا عندي لا يصح عن عبد الله بن عمرو ، وذكر المهدوي عن ابن عباس ، والشعبي : اللمم ما دون الزنى، وقال نفطويه: اللمم ما ليس بمعتاد، وقال الرماني : اللمم الهم بالذنب وحديث النفس به دون أن يواقع، وحكى الثعلبي عن سعيد بن المسيب أنه ما خطر على القلب، وذلك [ ص: 123 ] هو لمة الشيطان، قال الزهراوي : وقيل اللمم نظرة الفجأة، وقاله الحسن بن الفضل. ثم أنس تعالى بعد هذا بقوله: إن ربك واسع المغفرة .

قوله تعالى: هو أعلم بكم الآية. روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها نزلت بسبب قوم من اليهود كانوا يعظمون أنفسهم، ويقولون للطفل إذا مات عندهم: هذا صديق عند الله تعالى، ونحو هذا من الأقاويل المتوهمة، فنزلت الآية فيهم ثم هي بالمعنى عامة جميع البشر. وحكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم. وقوله تعالى: هو أعلم بكم قال مكي بن أبي طالب في المشكل: معناه: هو عالم بكم، وقال جمهور أهل المعاني: بل هو التفضيل بالإطلاق، أي هو أعلم من الموجودين جملة، والعامل في "إذ" هو "أعلم"، وقال بعض النحاة: العامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكروا إذ، والمعنى الأول أبين; لأن تقديره: فإذا كان علمه قد أحاط بكم وأنتم في هذه الأحوال ووقع بكم التخفي فأحرى أن يقع بكم وأنتم تغفلون وتجترحون.

والإنشاء من الأرض يراد به خلق آدم عليه السلام، ويحتمل أن يراد به إنشاء الغذاء، و:"أجنة" جمع جنين، وقوله تعالى: فلا تزكوا أنفسكم ظاهره النهي عن أن يزكي أحد نفسه، ويحتمل أن يكون نهيا عن أن يزكي بعض الناس بعضا وإذا كان هذا فإنما ينهى عن تزكية السمعة والمدح للدنيا والقطع بالتزكية، ومن ذلك الحديث في عثمان بن مظعون عند موته، وأما تزكية الإمام والقدوة أحدا ليؤتم به أو ليتهمم الناس بالخير [ ص: 124 ] فجائز، وقد زكى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أبا بكر وغيره رضي الله عنهم، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائز للضرورة إليها، وأصل التزكية إنما هو التقوى، والله تعالى هو أعلم بتقوى الناس منكم.

قوله تعالى: أفرأيت الذي تولى الآية. قال مجاهد ، وابن زيد ، وغيرهما: نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، وذلك أنه كان قد سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وجلس إليه، ووعظه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرب من الإسلام، وطمع النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دينك واثبت عليه وأنا أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد بن المغيرة على ذلك، ورجع عما هم به من الإسلام، وضل ضلالا بعيدا، وأعطى ذلك المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح، فنزلت الآية فيه. وذكر الثعلبي عن قوم أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه في قصة جرت له مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وذلك كله عندي باطل، وعثمان عن مثله متنزه. وقال السدي : نزلت في العاص بن وائل، فقوله تعالى: وأعطى قليلا وأكدى -على هذا القول- هو في المال، وقال مقاتل بن حيان في كتاب الثعلبي المعنى: وأعطى من نفسه قليلا في قربه من الإيمان، ثم أكدى، أي انقطع ما أعطى، وهذا بين من اللفظ، والآخر يحتاج إلى رواية، و "تولى" معناه: أدبر وأعرض، والمراد: عن أمر الله تعالى، و"أكدى" معناه: انقطع عطاؤه، وهو مشبه بالحافر في الأرض، فإذا انتهى إلى كدية، وهي ما صلب من الأرض، وقف وانقطع حفره، وكذلك: أجبل الحافر إذا انتهى إلى جبل، ثم قيل لمن انقطع عمله: أكدى وأجبل.

[ ص: 125 ] وقوله تعالى: أعنده علم الغيب فهو يرى معناه: أعلم من الغيب أن من تحمل ذنوب آخر فإن المتحمل عنه ينتفع بذلك فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وله فيه بصيرة، أم هو جاهل لم ينبأ بما في صحف موسى -وهي التوراة- وفي صحف إبراهيم - وهي كتب نزلت عليه من السماء- من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى؟ أي لا تحمل حاملة حمل أخرى، وإنما يؤخذ كل أحد بذنوب نفسه، فلما كان جاهلا بهذا وقع في إعطاء ماله للذي قال له: أنا أتحمل عنك درك الآخرة.

واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى:" الذي وفى"، وفى ما هو الموفى؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الولي بالولي في القتل ونحوه، فوفى إبراهيم عليه السلام وبلغ هذا الحكم من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وقال ابن عباس رضي الله عنهما أيضا، والربيع : ومن طاعة الله تعالى في ذبح ابنه عليهما السلام، وقال عكرمة : وفى هذه العشر الآيات: "ألا تزر وازرة وزر أخرى" فما بعدها، وقال ابن عباس وقتادة وعكرمة : وفى ما افترض عليه من الطاعات على وجهها، وتكملت له شعب الإيمان والإسلام، فأعطاه الله تعالى براءته من النار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: وفى شرائع الإسلام، ثلاثين سهما، وقال أبو أمامة - ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم-: وفى أربع صلوات في كل يوم، والأقوى من هذه كلها القول العام لجميع الطاعات المستوفية لدين الإسلام، فروى أنها لم تفرض على أحد مكملة فوفاها إلا على إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم، ومن الحجة لذلك قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن .

وقرأ ابن جبير ، وأبو مالك ، وابن السميفع: "وفى" مخففة الفاء، والخلاف فيما وفى به كالخلاف فيما وفاه على القراءة الأولى التي فسرنا ورويت القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأها أبو أمامة .

[ ص: 126 ] و"الوزر": الثقل، وأنث "الوازرة" إما لأنه أراد النفس، وإما أراد المبالغة كعلامة ونسابة وما جرى مجراهما، و"أن" في قوله سبحانه: "ألا تزر" مخففة من الثقيلة، وتقديرها: أنه لا تزر، وحسن الحائل بينها وبين الفعل إن بقي الفعل مرتفعا، فهي كقوله تعالى: أن سيكون منكم مرضى وآخرون ونحوه، و"أن" في موضع رفع أو خفض كلاهما مرتب.

التالي السابق


الخدمات العلمية