الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الفصل الثاني : حكم المرتد إذا تاب

إذا قلنا بالاستتابة حيث تصح فالاختلاف فيها على الاختلاف في توبة المرتد ، إذ لا فرق .

وقد اختلف السلف في وجوبها وصورتها ومدتها ، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن المرتد يستتاب .

وحكى ابن القصار أنه إجماع من الصحابة على تصويب قول عمر في الاستتابة ، ولم ينكره واحد منهم ، وهو قول عثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وبه قال عطاء بن أبي رباح ، والنخعي ، والثوري ، ومالك ، وأصحابه ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي .

وذهب طاوس ، وعبيد بن عمير ، والحسن في إحدى الروايتين عنه أنه لا يستتاب ، وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة ، وذكره عن معاذ ، وأنكره [ ص: 570 ] سحنون عن معاذ ، وحكاه الطحاوي عن أبي يوسف ، وهو قول أهل الظاهر ، قالوا : وتنفعه توبته عند الله ، ولكن لا ندرأ القتل عنه ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - ، من بدل دينه فاقتلوه .

وحكي أيضا عن عطاء : إن كان ممن ولد في الإسلام لم يستتب ، ويستتاب الإسلامي .

وجمهور العلماء على أن المرتد والمرتدة في ذلك سواء .

وروي عن علي - رضي الله عنه - : لا تقتل المرتدة وتسترق ، وقاله عطاء ، وقتادة .

وروي عن ابن عباس : لا تقتل النساء في الردة ، وبه قال أبو حنيفة .

قال مالك : والحر والعبد والذكر والأنثى في ذلك سواء .

وأما مدتها فمذهب الجمهور ، وروي عن عمر ، أنه يستتاب ثلاثة أيام يحبس فيها ، وقد اختلف فيه عن عمر ، وهو أحد قولي الشافعي ، وقول أحمد ، وإسحاق ، واستحسنه مالك ، وقال : لا يأتي الاستظهار إلا بخير ، وليس عليه جماعة الناس . .

قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد : يريد في الاستيناء ثلاثا .

وقال مالك أيضا : الذي آخذ به في المرتد قول عمر : يحبس ثلاثة أيام ، ويعرض عليه كل يوم ، فإن تاب وإلا قتل .

وقال أبو الحسن بن القصار في تأخيره ثلاثا روايتان عن مالك : هل ذلك واجب أو مستحب ؟ ، واستحسن الاستتابة والاستيناء ثلاثا أصحاب الرأي .

وروي عن أبي بكر الصديق أنه استتاب امرأة فلم تتب فقتلها ، وقاله الشافعي مرة ، فقال : إن لم يتب قتل مكانه . واستحسنه المزني .

وقال الزهري : يدعى إلى الإسلام ثلاث مرات ، فإن أبى قتل .

وروي عن علي - رضي الله عنه - : يستتاب شهرين . وقال النخعي : يستتاب أبدا ، وبه أخذ الثوري ما رجيت توبته . وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة أنه يستتاب ثلاث مرات في ثلاثة أيام أو ثلاث جمع كل يوم أو جمعة مرة .

وفي كتاب محمد ، عن القاسم : يدعى المرتد إلى الإسلام ثلاث مرات ، فإن أبى ضربت عنقه .

واختلف على هذا هل يهدد أو يشدد عليه أيام الاستتابة ليتوب أم لا ؟ [ ص: 571 ] فقال مالك : ما علمت في الاستتابة تجويعا ، ولا تعطيشا ، ويؤتى من الطعام بما لا يضره .

وقال أصبغ : يخوف أيام الاستتابة بالقتل ، ويعرض عليه الإسلام .

وفي كتاب أبي الحسن الطابثي : يوعظ في تلك الأيام ، ويذكر بالجنة ، ويخوف بالنار .

قال أصبغ : وأي المواضع حبس فيها من السجون مع الناس أو وحده إذا استوثق منه سواء ، ويوقف ماله إذا خيف أن يتلفه على المسلمين ، ويطعم منه ويسقى .

وكذلك يستتاب كلما رجع ، وارتد أبدا ، وقد استتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبهان الذي ارتد أربع مرات أو خمسا .

وقال ابن وهب ، عن مالك : يستتاب أبدا كلما رجع ، وهو قول الشافعي ، وأحمد ، وقاله ابن القاسم .

وقال إسحاق : يقتل في الرابعة .

وقال أصحاب الرأي : إن لم يتب في الرابعة قتل دون استتابة ، وإن تاب ضرب ضربا وجيعا ، ولم يخرج من السجن حتى يظهر عليه خشوع التوبة .

قال ابن المنذر : ولا نعلم أحدا أوجب على المرتد في المرة الأولى أدبا إذا رجع . وهو على مذهب مالك ، والشافعي ، والكوفي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث