الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدتي الترتيب بالأدوات اللفظية والترتيب بالحقيقة الزمانية

( الفرق الثاني عشر بين قاعدتي الترتيب بالأدوات اللفظية والترتيب بالحقيقة الزمانية ) قد التبس الفرق بينهما على جمع كثير من الفضلاء ووقعت مباحث ردية بناء على اللبس بينهما وتقرير الفرق أن الزمان أجزاؤه سيالة مترتبة بذاتها عقلا مستحيلة الاجتماع فلا يتصور أن يوجد أمس الدابر مع اليوم الحاضر ولا أول النهار مع آخره ولا جزء من أجزاء الزمان وإن قل مع غيره من الأجزاء الزمانية وإذا كان الزمان مرتب الأجزاء والأفعال والأقوال واقعة في الزمان ومنقسمة على أجزائه فالواقع في الزمان الماضي من الأقوال والأفعال متقدم على الواقع في الحاضر والمستقبل والواقع منها في الحاضر متأخر عن الماضي ومتقدم على المستقبل وكذلك القول في كل جزء من أجزاء الزمان أنه إذا اشتمل على قول أو فعل كان ذلك القول أو الفعل متقدما على الواقع في الزمان الذي بعده ومتأخرا عن الواقع في الزمن الذي قبله فظهر أن ترتيب أجزاء الزمان يقتضي ترتيب الأقوال والأفعال الواقعة فيها وأن الواقع في المرتب مرتب عقلا لا بوضع لغوي اقتضى ذلك بل ذلك بالعقل الصرف وأما الترتيب بالأدوات اللفظية فهو بالفاء وثم وحتى والسين وسوف ولم ولا ولن وما ونحوها .

فإذا قلت : قام زيد فعمرو كان قيام زيد متقدما على قيام عمرو أو ثم عمرو فكذلك مع تراخ أو قام القوم حتى عمرو يقتضي أيضا تأخر قيام عمرو بسبب أن حتى حرف غاية والقاعدة أن المغيا لا بد أن يثبت قبل الغاية ثم يصل إليها كقولك سرت حتى طلع الفجر فالسير ثابت قبل الفجر متكرر إلى طلوع الفجر وكذلك شأن جميع الغايات وإذا كان قيام عمرو غاية وغاية الشيء طرفه وآخره فيكون متأخرا عن الأول ضرورة وإذا [ ص: 114 ] قلت سيقوم زيد وسوف يقوم عمرو وكان قيام زيد قبل قيام عمرو وعمرو بعده لأن سوف أكثر تنفيسا من السين وإذا قلت : لم يقم زيد ولا يقوم عمرو ولن يقوم كان عدم قيام زيد في الماضي وعدم قيام عمرو في المستقبل فقد ترتب العدمان بسبب أن لن ولا موضوعان لنفي المستقبل ولم ولما موضوعان لنفي الماضي وما وليس موضوعان لنفي الحال ولما كان الماضي والحال والمستقبل مترتبة كان اللفظ الدال على وقوع العدم في واحد منها دالا على الترتيب بالنسبة إلى الآخر فتأمل ذلك فهذا هو الترتيب الذي لا يستقل العقل به بل يستفاد من الوضع اللغوي وربما اختلفت فيه اللغات وربما تبدلت بالنقل العرفي والعقل لا يقبل الاختلاف ولا التبدل إذا تقرر الفرق بين الترتيب بالحقيقة الزمانية وبين الترتيب بالأدوات اللفظية فأذكر ثلاث مسائل دالة على هاتين القاعدتين وأوجه الصواب في تلك المسائل ومن وافق القواعد ومن خالفها .

( المسألة الأولى ) قال مالك رحمه الله تعالى إذا قال لغير المدخول بها : أنت طالق أنت طالق أنت طالق لزمه الطلاق الثلاث وقال الشافعي : لا يلزمه إلا طلقة واحدة وهو الحق واتفق الإمامان على أنه إذا قال : أنت طالق فأنت طالق أو ثم أنت طالق في غير المدخول بها لا يلزمه إلا طلقة واحدة قال مالك رحمه الله .

وفي النسق بالواو إشكال فحصل له فيها توقف ولم يتوقف الشافعي رضي الله عنه بل ألزم في الواو طلقة واحدة وهو الحق بسبب أن الزمان يقتضي الترتيب كما تقدم تقريره فقد بانت بالطلقة الأولى قبل نطقه بالطلقة الثانية فلا يلزم لأجل البينونة كما لو قال : فأنت طالق ولا ينبغي أن يثبت في الواو حينئذ إشكال أصلا بل نجزم بتقدم ما نطق به قبلها على ما نطق به بعدها فتبين فلا يلزمه غير الأولى المعطوف عليها بالواو دون المعطوفة بالواو فهذا هو الحق المقطوع به الذي لا تسع مخالفته وأما قول الأصحاب إنه طلق بالأولى ثلاثا ثم فسره بعده ذلك أو بالقياس على قوله أنت طالق ثلاثا فإن الثلاث تعتبر باتفاق ويلزمكم بقوله أنت طالق ثلاثا فإن مقتضى مذهب الشافعي أنه لا تلزمه الثلاث لأنها بانت بقوله أنت طالق أن تبين فلا يلزمه بعد ذلك بقوله ثلاثا شيء والجواب عن الأول أن الكلام في هذا المسألة مع عدم النية فقولهم نوى ثم فسر لا يستقيم بل إن نوى انعقد الإجماع بين الإمامين على لزوم ما نواه فهذا المدرك باطل قطعا .

وأما القياس على قوله مع عدم نيته أنت طالق ثلاثا فباطل أيضا بسبب فرق عظيم مأخوذ من قاعدة كلية لغوية وهو أن كل لفظ لا يستقل بنفسه إذا لحق لفظا مستقلا بنفسه صار المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه ولهذه القاعدة عشرة مثل :

( المثال الأول ) إذا قال : له عندي عشرة إلا اثنين لا يلزمه إلا ثمانية مع أن الأقارير عند الحكام في غاية الضيق والحرج ولا تقبل فيها النيات ولا المجازات وما سببه إلا أن قوله عندي عشرة وإن كان كلاما مستقلا بنفسه غير أنه لحقه قوله إلا اثنين وهو كلام لو نطق به وحده لم يستقل فيصير الأول غير مستقل بنفسه وصار المجموع إقرارا بالثمانية فقط ولغا اعتبار اللفظ الأول [ ص: 115 ] على سبيل الاستقلال .

( المثال الثاني ) قول الحالف والله لا لبست ثوبا كتانا لا يحنث بغير الكتان إجماعا مع أن قوله لا لبست ثوبا عام في ثياب الكتان وغيرها فإذا نطق بقوله كتانا وصف العموم بهذه الصفة المقتضية للتخصيص ولا نية له اختص الحنث بثياب الكتان وحدها بسبب أن قوله لا لبست ثوبا وإن كان كلاما مستقلا بنفسه غير أنه لحقه كتانا وهو لفظ مفرد لا يستقل بنفسه فصار الأول غير مستقل بنفسه وصار المجموع لا يفيد إلا ثياب الكتان وغير ثياب الكتان لم ينطق بها بطريق من الطرق فلا يحنث بها

( المثال الثالث ) قول القائل : والله لا كلمته حتى يعطيني حقي فأعطاه حقه ثم كلمه لا يحنث إجماعا بسبب أن قوله لا كلمته وإن كان يقتضي استغراق الأزمان إلى آخر العمر فقد لحقه قوله حتى يعطيني حقي وهو لفظ لو نطق به وحده لم يستقل بنفسه فلما لحق ما هو مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وصار المجموع يقتضي نفي الكلام إلى هذه الغاية فقط وما عداها لا يدخل في اليمين ألبتة باللفظ من غير نية .

( المثال الرابع ) قوله والله : لا كلمتك إن جئتني في الدار أو أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار لا يلزمه قبل الدخول للدار طلاق إجماعا بسبب أن قوله أنت طالق ثلاثا وإن كان كلاما يستقل بنفسه لكنه لما لحق به ما لا يستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه .

( المثال الخامس ) لو قال : اقتلوا المشركين في شهر رمضان لاختص قتلهم برمضان ولو لم يذكره ويقيد به لقتلوا في جميع السنة غير أن المجرور لما لم يستقل بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه وخصصه .

( المثال السادس ) لو قال : اقتلوا المشركين أمام زيد لاختص قتلهم بتلك الجهة ومن وجد في غيرها لا يقتل ألبتة لما لم يستقل بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه .

( المثال السابع ) لو قال : اقتلوا المشركين عراة لاختص قتلهم بحالة العري ولو لم ينطق به لقتلوا في جميع الأحوال لكنه لما لم يكن كلاما مستقلا بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه .

( المثال الثامن ) ليقتل المشركون وزيد أي مع زيد فلا يقتلون إلا إذا وجدوا معه واللفظ قبل ذلك كان يقتضي قتلهم مطلقا لكنه لما لم يكن كلاما مستقلا بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه .

( المثال التاسع ) اقتلوا المشركين إذهابا لغيظكم فلا يقتلون بغير هذه العلة ولا بدونها وكانوا قبل ذلك يقتلون مطلقا لكنه لما لم يستقل بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه .

( المثال العاشر ) اقتلوا المشركين طلوع الفجر فيمتنع قتلهم في غير هذا الظرف وكانوا يقتلون قبل هذا القيد في جميع الظروف لكنه لما لم يستقل بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه وكذلك البدل والتمييز فهذه اثنا عشر الشرط والغاية والاستثناء والصفة وظرف الزمان وظرف المكان والمجرور والمفعول معه والمفعول من أجله والحال والبدل والتمييز فإذا وضحت هذه القاعدة بمثلها فنقول إذا قال : أنت طالق ثلاثا فإن ثلاثا تفسير لا يستقل بنفسه فيصير الأول غير مستقل بنفسه فلا يلزم به شيء ولا تبين قبل النطق [ ص: 116 ] بقوله ثلاثا وقوله أنت طالق أنت طالق أنت طالق الثاني مستقل بنفسه فلا يكر على الأول بالإيقاف والإبطال فتبين بالأول قبل النطق بالثاني فلا يلزم بالثاني شيء وهذا فرق عظيم ومع هذا الفرق لا يثبت القياس فظهر أن هذه المسألة في غاية الإشكال في مذهب مالك رحمه الله وينبغي لو قضى بها قاض لنقض قضاؤه ويمتنع التقليد فيها لوضوح بطلانها .

( المسألة الثانية ) ما يروى { أن خطيبا قال عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس خطيب القوم أنت } استدل بهذا الحديث من يقول الواو للترتيب ولا دليل فيه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بأن يرتب بالحقيقة الزمانية وأن ينطق بلفظ الله أولا ثم يذكر الرسول عليه السلام ثانيا فيحصل الترتيب بالتقديم الدال على الاهتمام والتعظيم وقد فات بسبب جمعهما في الضمير فلذلك ذمه لا لأنه لم ينطق بالواو فسقط الاستدلال بهذا الحديث .

( المسألة الثالثة ) قوله عز من قائل { إن الصفا والمروة من شعائر الله } قال الصحابة رضي الله عنهم : نبدأ بما بدأ الله به فاستدل به من يقول الواو للترتيب ولا حجة فيه لأن البداءة صرحت بالتقديم بالحقيقة الزمانية المجمع عليها فلم قال هذا المستدل بأن البداءة مضافة لما ذكره من الواو .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال : ( الفرق الثاني عشر بين قاعدتي الترتيب بالأدوات اللفظية والترتيب بالحقيقة الزمانية ) قلت : ما قاله في هذا الفرق صحيح غير أنه ذكر في مثل قاعدة ما لا يستقل بنفسه من الكلام أن له عشرة مثل فذكرها لكنه زاد عند تعدادها التمييز والبدل ولم يذكر مثاليهما .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثاني عشر بين قاعدتي الترتيب بالأدوات اللفظية والترتيب بالحقيقة الزمانية ) وهو أن الترتيب بالأدوات اللفظية كالفاء وثم وحتى والسين وسوف ولم ولا ولن وما ونحوها لا يستقل العقل به بل يستفاد من الوضع اللغوي وربما اختلف فيه اللغات وربما تبدلت بالنقل العرفي بخلاف الترتيب بالحقيقة الزمانية فإنه بالعقل الصرف فيقتضي ترتيب أجزاء الزمان ترتيب الأقوال والأفعال الواقعة فيها ترتيبا لا يقبل الاختلاف ولا التبدل لأن الزمان أجزاؤه سيالة مترتبة بذاتها عقلا مستحيلة الاجتماع فلا يتصور أن يوجد أمس الدابر مع اليوم الحاضر ولا أول النهار مع آخره ولا جزء من أجزاء الزمان وإن قل مع غيره من الأجزاء الزمانية والأفعال والأقوال واقعة في الزمان ومنقسمة على أجزائه .

فإذا اشتمل كل جزء من أجزاء الزمان على قول أو فعل كان ذلك القول أو الفعل متقدما على الواقع في الزمن الذي بعده ومتأخرا عن الواقع في الزمن الذي قبله ويقتضي [ ص: 124 ] الترتيب المستفاد بالأدوات اللفظية ترتيب الأقوال والأفعال المقترنة بها ترتيبا يقبل الاختلاف والتبدل بحسب اختلاف اللغات وتبدل النقل العرفي فإذا قلت : قام زيد فعمرو كان قيام زيد متقدما على قيام عمرو أو ثم عمرو فكذلك مع تراخ أو قام القوم حتى عمرو اقتضى أيضا تأخر قيام عمرو بسبب أن حتى حرف غاية بمعنى أن ما بعدها غاية لما قبلها والقاعدة أن المغيا لا بد أن يثبت قبل الغاية ثم يصل إليها مثلا السير في قولك سرت حتى طلع الفجر ثابت قبل الفجر متكرر إلى طلوع الفجر وإذا كان قيام عمرو غاية وغاية الشيء طرفه وآخره كان متأخرا عن الأول ضرورة وإذا قلت : سيقوم زيد وسوف يقوم عمرو كان قيام زيد قبل قيام عمرو لأن سوف أكثر تنفيسا من السين وإذا قلت : لم أو لما يقم زيد ولا يقوم عمرو أو لن يقوم كان عدم قيام زيد في الماضي وعدم قيام عمرو في المستقبل بسبب أن لم ولما موضوعان لنفي الماضي ولا ولن موضوعان لنفي المستقبل وما وليس موضوعان لنفي الحال والماضي والحال والمستقبل مترتبة فيكون اللفظ الدال على وقوع العدم في واحد منها دالا على الترتيب بالنسبة إلى الآخر فتأمل ( وصل ) في ثلاث مسائل يتضح بها هاتان القاعدتان

: المسألة الأولى لا خلاف بين الإمام مالك والإمام الشافعي في أنه إذا قال لغير المدخول بها : أنت طالق فأنت طالق أو ثم أنت طالق لا يلزمه إلا طلقة واحدة ولم يتوقف الإمام الشافعي في لزوم الطلقة الواحدة مع النسق بالواو أيضا وتوقف الإمام مالك في لزوم الواحدة أو التعدد مع الواو كما أنه قال : بلزوم الثلاث إذا قال لغير المدخول بها : أنت طالق أنت طالق أنت طالق بلا عطف أصلا وخالفه الشافعي قائلا : لا يلزمه إذا إلا طلقة واحدة وهو الحق بسبب أن الزمان يقتضي الترتيب كما تقدم تقريره فتبين بالأولى ولا يلزم بما بعدها شيء لأنه لم يصادف محلا لأجل البينونة سواء كان ما بعدها بلا عطف أو معطوفا بالفاء أو ثم أو الواو فلا وجه للتوقف في الواو أصلا بل نجزم بتقدم ما نطق به أولا ولزوم البينونة به وإلغاء ما بعد مطلقا وتوجيه الأصحاب قول إمامنا بوجهين : أحدهما أنه طلق بالأولى ثلاثا ثم فسر بعد ذلك والثاني أنه بالقياس على قوله أنت طالق ثلاثا فإن الثلاث تعتبر باتفاق مع أن مقتضى مذهب الشافعي أن لا تلزمه [ ص: 125 ] الثلاث لأنها بانت بقوله أنت طالق فلا يلزمه بقوله بعد ذلك ثلاثا شيء مدفوع أما الأول فلأن الكلام في هذه المسألة مع عدم النية فقولهم نوى ثم فسر لا يستقيم بل إن نوى انعقد الإجماع بين الإمامين على لزوم ما نواه من تأسيس أو تأكيد أما الثاني فقياس باطل بسبب فرق عظيم مأخوذ من قاعدة كلية لغوية وهي أن كل لفظ لا يستقل بنفسه كالشرط والغاية والاستثناء والصفة وظرف الزمان وظرف المكان والمجرور والمفعول معه والمفعول من أجله والحال والبدل والتمييز إذا لحق لفظا مستقلا بنفسه صار المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه فإذا قال : أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار لا يلزمه قبل الدخول للدار طلاق إجماعا بسبب أن قوله أنت طالق ثلاثا .

وإن كان كلاما يستقل بنفسه لكنه لما لحق به ما لا يستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وإذا قال : والله لا كلمته حتى يعطيني حقي وهو لفظ لو نطق به وحده لم يستقل بنفسه فلما لحق ما هو مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وصار المجموع يقتضي نفي الكلام إلى هذه الغاية فقط وما عداها لا يدخل في اليمين ألبتة باللفظ من غير نية وإذا قال : له عندي عشرة إلا اثنين لا يلزمه إلا ثمانية مع أن الأقارير عند الحكام في غاية الضيق والحرج ولا تقبل فيها النيات ولا المجازات وما سبب عدم لزوم غير الثمانية إلا أن قوله عندي عشرة وإن كان كلاما مستقلا بنفسه لكنه لما لحقه ما لو نطق به وحده لم يستقل وهو قوله إلا اثنين صيره غير مستقل بنفسه وصار المجموع إقرارا بالثمانية فقط ولغاية اعتبار اللفظ الأول على سبيل الاستقلال وإذا قال : لا لبست ثوبا كتانا لا يحنث بغير الكتان إجماعا مع أن قوله لا لبست ثوبا عام في ثياب الكتان وغيرها فإذا نطق بقوله كتانا بعد قوله ذلك اختص الحنث بثياب الكتان وحدها بسبب أن قوله لا لبست ثوبا وإن كان كلامه مستقلا بنفسه إلا أنه لما لحقه كتانا وهو لفظ مفرد لا يستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وصار المجموع لا يفيد إلا ثياب الكتان وغير ثياب الكتان لم ينطق بها بطريق من الطرق فلا يحنث بها .

وإذا قال : اقتلوا المشركين طلوع الفجر امتنع قتلهم في غير هذا الوقت وإن كانوا قبل التقييد به يقتلون في جميع الأوقات لكنه لما لم يستقل بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه وإذا قال : اقتلوا المشركين أمام زيد اختص قتلهم بتلك الجهة فلا [ ص: 126 ] يقتل من وجد في غيرها ألبتة نظرا لكون ما لم يستقل بنفس وهو ظرف المكان صير الأول المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه وإذا قال : اقتلوا المشركين في شهر رمضان اختص قتلهم برمضان بسبب أن المجرور وهو غير مستقل صير الأول المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه وخصصه وإذا قال : ليقتل المشركون وزيدا أي مع زيد فلا يقتلون إلا إذا وجدوا معه واللفظ قبل ذلك كان يقتضي قتلهم مطلقا لكنه ما لم يكن كلاما مستقلا بنفسه صير الأول المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه وإذا قال : اقتلوا المشركين إذهابا لغيظكم فلا يقتلون بغير هذه العلة وكان قبل ذلك يقتلون مطلقا لكنه لما لم يستقل بنفسه صير الأول المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه وإذا قال : اقتلوا المشركين عراة اختص قتلهم بحالة العري ولو لم ينطق به لقتلوا في جميع الأحوال لكنه لما لم يكن كلاما مستقلا بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه وإذا قال : اقتلوا المشركين عبدة النار اختص القتل بهم دون غيرهم بسبب أن المستقل بنفسه لما لحقه البدل وهو غير مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه .

وإذا قال : له عندي عشرون رمانة لم يلزمه هذا العدد من غير الرمان بل من الرمان خاصة بسبب أن المستقل بنفسه لما لحقه التمييز وهو غير مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وأدخلت الكاف فيما لا يستقل بنفسه المفعول المطلق المبين للنوع أو للعدد فإذا قال : أنت طالق ثلاثا كان ثلاثا مفعولا مطلقا مبينا لعدد طالق وهو لا يستقل بنفسه فصير الأول وهو أنت طالق غير مستقل فلا يلزمه به شيء ولا تبين به قبل النطق بقوله ثلاثا بخلاف قوله أنت طالق أنت طالق أنت طالق فإن الثاني مستقل بنفسه فلا يكر على الأول بالاتفاق والإبطال فتبين بالأول قبل النطق بالثاني فلا يلزم بالثاني شيء وهذا فرق عظيم ومع هذا الفرق لا يثبت القياس فظهر أن هذه المسألة في غاية الإشكال في مذهب مالك رحمه الله تعالى وينبغي لو قضى بها قاض لنقض قضاؤه ويمتنع التقليد فيها لوضوح بطلانها .

( المسألة الثانية ) لا دليل لمن يقول : الواو للترتيب فيما يروى أن { خطيبا قال عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال : رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بئس خطيب القوم أنت } [ ص: 127 ] لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمره بأن يرتب بالحقيقة الزمانية وأن ينطق بلفظ الله أولا ثم يذكر الرسول عليه الصلاة والسلام ثانيا فيحصل الترتيب بالتقديم الدال على الاهتمام والتعظيم وقد فات بسبب جمعهما في الضمير فلذلك ذمه لا لأنه لم ينطق بالواو في قوله ومن يعصهما كما نطق بها في قوله من يطع الله ورسوله حتى يصح الاستدلال به على أن الواو للترتيب فافهم .

( فائدة ) قال المقري : سمعت الأيلي يقول : سمعت أبا عبد الله بن رشيد يقول إن خطيبا بتلمسان يقول في خطبه : من يطع الله ورسوله فقد رشد بالكسر وكان الطلبة ينكرون عليه فلا يرجع فلما قفلت من رحلتي تلك دخلت على الأستاذ ابن أبي الربيع بسبتة فهنأني بالقدوم وقال لي فيما قال : رشدت يا ابن رشيد ورشدت لغتان صحيحتان حكاهما يعقوب في الاصطلاح قال : المقري وهذه كرامة للرجلين أو الثلاثة ا هـ نقله التنبكتي في تكملة الديباج .

( المسألة الثالثة ) لا حجة لمن يقول الواو للترتيب في قول الصحابة رضي الله تعالى عنهم نبدأ بما بدأ الله في قوله عز من قائل { إن الصفا والمروة من شعائر الله } لأن البداءة صرحت بأن التقديم بالحقيقة الزمانية المجمع عليها فلم قال هذا المستدل بأن البداءة مضافة إلى ما ذكره من الواو والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث