الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب يكتفى بظاهر الإسلام ولا يبقر عما في القلوب

جزء التالي صفحة
السابق

139 (32) باب

يكتفى بظاهر الإسلام ، ولا يبقر عما في القلوب

[ 75 ] عن المقداد بن الأسود ; أنه قال : يا رسول الله ، أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار ، فقاتلني ، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ، ثم لاذ مني بشجرة ، فقال : أسلمت لله ، أفأقتله يا رسول الله ، بعد أن قالها ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تقتله ، قال : فقلت : يا رسول الله ، إنه قد قطع يدي ، ثم قال ذلك بعد أن قطعها ، أفأقتله ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تقتله ; فإن قتلته ، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال .

وفي رواية : فلما أهويت لأقتله ، قال : لا إله إلا الله .

رواه أحمد ( 6 \ 4- 6 ) ، والبخاري ( 4019 ) ، ومسلم ( 95 ) ، وأبو داود ( 2644 ) .

[ ص: 293 ]

التالي السابق


[ ص: 293 ] (32) ومن باب يكتفى بظاهر الإسلام ، ولا يبقر عما في القلوب

(قوله : " أرأيت إن جاء رجل من الكفار ، فقاتلني ؟ ") دليل على جواز السؤال عن أحكام النوازل قبل وقوعها . وقد روي عن بعض السلف : كراهية الكلام في النوازل قبل وقوعها ، وهذا إنما يحمل على ما إذا كانت تلك المسائل مما لا تقع ، أو تقع نادرا ، فأما ما يتكرر من ذلك ، ويكثر وقوعه : فيجب بيان أحكامها على من كانت له أهلية ذلك ، إذا خيف الشغور عن المجتهدين والعلماء في الحال أو في الاستقبال ; كما قد اتفق عليه أئمة المسلمين من السلف : لما توقعوا ذلك ، فرعوا الفروع ودونوها وأجابوا عما سئلوا عنه من ذلك ; حرصا على إظهار الدين ، وتقريبا على من تعذرت عليه شروط الاجتهاد من الحقين .

و (قوله : " لاذ مني بشجرة ") أي : استتر ; يقال : لاذ يلوذ لواذا : إذا استتر ، والملاذ : ما يستتر به .

و (قوله : " أسلمت لله ") أي : دخلت في دين الإسلام ، وتدينت به . وفيه : دليل [ ص: 294 ] على أن كل من صدر عنه أمر ما يدل على الدخول في دين الإسلام من قول أو فعل ، حكم له لذلك بالإسلام ، وأن ذلك ليس مقصورا على النطق بكلمتي الشهادة .

وقد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسلام بني جذيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد ، وهم يقولون : صبأنا صبأنا ، ولم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا ، فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : اللهم ، إني أبرأ إليك مما صنع خالد ، رافعا يديه إلى السماء ، ثم وداهم .

على أن قوله في هذه الرواية : أسلمت لله يحتمل أن يكون ذلك نقلا بالمعنى ، فيكون بعض الرواة عبر عن قوله : لا إله إلا الله بأسلمت ; كما قد جاء مفسرا في رواية أخرى قال فيها : فلما أهويت لأقتله ، قال : لا إله إلا الله .

وأهويت : ملت لقتله ; قال الجوهري : أهوى إليه بيده ليأخذه ، وقال الأصمعي : أهويت بالشيء : إذا أومأت إليه ، ويقال : أهويت له بالسيف ، فأما هوى ، فمعناه : سقط إلى أسفل ، ويقال : انهوى بمعناه ، فهو منهو .

و (قوله : " إن قتلته ، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ") يعني ، والله أعلم : أنه بمنزلتك في عصمة الدم ; إذ قد نطق بما يوجب عصمته من كلمتي الإسلام .

و (قوله : " وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ") ظاهره : في الكفر ، وليس ذلك بصحيح ; لأنه إنما قتله متأولا أنه باق على كفره ; فلا يكون قتله كبيرة ; [ ص: 295 ] وإذا لم يكن قتله كبيرة ، لم يصح لأحد - وإن كان مكفرا بالكبائر - أن يقول : " هذا كفر " بوجه ; فدل ذلك على أنه متأول . وقد اختلف في تأويله ; فقال أبو الحسن بن القصار : هو مثله في كونه غير معصوم الدم معرضا للقصاص .

قال المؤلف - رحمه الله - : وهذا ليس بشيء ; لانتفاء سبب القصاص ، وهو العمد العدوان ، وذلك منتف هنا قطعا ; لأن المقداد تأول ما تأوله أسامة بن زيد : أنه قال ذلك خوفا من السلاح ; ألا ترى قول المقداد : إنه قد قطع يدي ، ثم لاذ مني بشجرة ، فلما أهويت لأقتله ، قال : لا إله إلا الله ؟ غير أن هذا التأويل لم يسقط عنهما التوبيخ والذم ، ولا توقع المطالبة بذلك في الآخرة ; ألا ترى قوله - عليه الصلاة والسلام - لأسامة : كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ؟! ، وكرر ذلك عليه ، ولم يستغفر له مع سؤال أسامة ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وإنما لم يسقط عنه التوبيخ والتأثيم وإن كان متأولا ; لأنه أخطأ في تأويله ; وعلى هذا : يمكن أن يحمل قوله : إنك بمنزلته قبل أن تقتله ، على أنه بمنزلته في استحقاق الذم والتأثيم ، ويكون هذا هو التأويل الثاني فيه ، غير أن الاستحقاق فيهما مختلف ; فإن استحقاق المقداد لذلك الاستحقاق مقصر في اجتهاد مؤمن ، والآخر استحقاقه استحقاق كافر ، وإنما وقع التشبيه بينهما في مجرد الاستحقاق فقط ، والله أعلم .

التأويل الثالث : أنه بمنزلته في إخفاء الإيمان ، أي : لعله ممن كان يخفي [ ص: 296 ] إيمانه بين الكفار ، فأخرج مكرها كما كنت أنت بمكة ; إذ كنت تخفي إيمانك . ويعتضد هذا التأويل : بما زاده البخاري في هذا الحديث ، من حديث ابن عباس ; أنه - عليه الصلاة والسلام - قال للمقداد : إذا كان مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار ، فأظهر إيمانه فقتلته ؟ كذلك كنت تخفي إيمانك بمكة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث