الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل "

القول في تأويل قوله عز ذكره ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا )

قال أبو جعفر : وهذه الآية أنزلت إعلاما من الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به أخلاق الذين هموا ببسط أيديهم إليهم من اليهود . كالذي : -

11567 - حدثنا الحارث بن محمد قال : حدثنا عبد العزيز قال : حدثنا مبارك ، عن الحسن في قوله : "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل" قال : اليهود من أهل الكتاب .

وأن الذي هموا به من الغدر ونقض العهد الذي بينهم وبينه ، من صفاتهم وصفات أوائلهم وأخلاقهم وأخلاق أسلافهم قديما واحتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود ، بإطلاعه إياه على ما كان علمه عندهم دون العرب من خفي أمورهم ومكنون علومهم وتوبيخا لليهود في تماديهم في الغي ، وإصرارهم على الكفر ، مع علمهم بخطإ ما هم عليه مقيمون .

يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : لا تستعظموا أمر الذين هموا ببسط أيديهم إليكم من هؤلاء اليهود بما هموا به لكم ، ولا أمر الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم ، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسلافهم ، لا يعدون أن يكونوا على منهاج أولهم وطريق سلفهم . ثم ابتدأ الخبر عز ذكره عن بعض غدراتهم وخياناتهم وجراءتهم على ربهم ونقضهم ميثاقهم الذي واثقهم عليه بارئهم ، مع نعمه التي خصهم بها ، [ ص: 110 ] وكراماته التي طوقهم شكرها ، فقال : ولقد أخذ الله ميثاق سلف من هم ببسط يده إليكم من يهود بني إسرائيل ، يا معشر المؤمنين بالوفاء له بعهوده وطاعته فيما أمرهم ونهاهم ، كما : -

11568 - حدثني المثنى قال : حدثنا آدم العسقلاني قال : حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل" قال : أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له ، ولا يعبدوا غيره .

" وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا " يعني بذلك : وبعثنا منهم اثني عشر كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه .

و"النقيب" في كلام العرب كالعريف على القوم ، غير أنه فوق "العريف" . يقال منه : "نقب فلان على بني فلان فهو ينقب نقبا فإذا أريد أنه لم يكن نقيبا فصار نقيبا ، قيل : "قد نقب فهو ينقب نقابة" ومن"العريف" : "عرف عليهم يعرف عرافة" . فأما"المناكب" فإنهم كالأعوان يكونون مع العرفاء ، واحدهم "منكب" .

وكان بعض أهل العلم بالعربية يقول : هو الأمين الضامن على القوم .

فأما أهل التأويل فإنهم قد اختلفوا بينهم في تأويله . [ ص: 111 ]

فقال بعضهم : هو الشاهد على قومه .

ذكر من قال ذلك :

11569 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : " ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا " ، من كل سبط رجل شاهد على قومه .

وقال آخرون : "النقيب" ، الأمين .

ذكر من قال ذلك :

11570 - حدثت عن عمار بن الحسن قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : "النقباء" الأمناء .

11571 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، مثله .

وإنما كان الله عز ذكره أمر موسى نبيه صلى الله عليه وسلم ببعثة النقباء الاثني عشر من قومه بني إسرائيل إلى أرض الجبابرة بالشأم ، ليتحسسوا لموسى أخبارهم إذ أراد هلاكهم ، وأن يورث أرضهم وديارهم موسى وقومه ، وأن يجعلها مساكن لبني إسرائيل بعد ما أنجاهم من فرعون وقومه ، وأخرجهم من أرض مصر ، فبعث موسى الذين أمره الله ببعثهم إليها من النقباء ، كما :

11572 - حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قال : أمر الله بني إسرائيل بالسير إلى أريحا ، وهي أرض بيت المقدس ، فساروا حتى إذا كانوا قريبا منهم بعث موسى اثني عشر نقيبا من جميع أسباط بني إسرائيل . فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبابرة ، فلقيهم رجل [ ص: 112 ] من الجبارين يقال له"عاج" ، فأخذ الاثني عشر ، فجعلهم في حجزته وعلى رأسه حملة حطب . فانطلق بهم إلى امرأته فقال : انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا!! فطرحهم بين يديها ، فقال : ألا أطحنهم برجلي! فقالت امرأته : بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا . ففعل ذلك . فلما خرج القوم ، قال بعضهم لبعض : يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ، ارتدوا عن نبي الله عليه السلام ، ولكن اكتموه وأخبروا نبيي الله ، فيكونان هما يريان رأيهما! فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه ، ثم رجعوا فانطلق عشرة منهم فنكثوا العهد ، فجعل الرجل يخبر أخاه وأباه بما رأى من [ أمر ] "عاج" وكتم رجلان منهم ، فأتوا موسى ، وهارون ، فأخبروهما الخبر ، فذلك حين يقول الله : "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا" .

11573 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : "اثني عشر نقيبا" من كل سبط من بني إسرائيل رجل ، أرسلهم موسى إلى الجبارين ، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم يلقونهم إلقاء ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس [ ص: 113 ] منهم في خشبة ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربع . فرجع النقباء كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وكلاب بن يافنة ، يأمران الأسباط بقتال الجبابرة وبجهادهم ، فعصوا هذين وأطاعوا الآخرين .

11574 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بنحوه إلا أنه قال : "من بني إسرائيل رجال" وقال أيضا : "يلقونهما" .

11575 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : أمر موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة ، وقال : إني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلا فاخرج إليها ، وجاهد من فيها من العدو ، فإني ناصركم عليهم ، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا من كل سبط نقيبا يكون على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به ، وقل لهم : إن الله يقول لكم : ( إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ) . . . إلى قوله : ( فقد ضل سواء السبيل ) وأخذ موسى منهم اثني عشر نقيبا اختارهم من الأسباط كفلاء على قومهم بما هم فيه ، على الوفاء بعهده وميثاقه . وأخذ من كل سبط منهم خيرهم وأوفاهم رجلا . يقول الله عز وجل : "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا" فسار بهم موسى إلى الأرض المقدسة بأمر الله ، حتى إذا نزل التيه بين مصر والشام وهي بلاد ليس فيها خمر [ ص: 114 ] ولا ظل دعا موسى ربه حين آذاهم الحر ، فظلل عليهم بالغمام ، ودعا لهم بالرزق ، فأنزل الله عليهم المن والسلوى . وأمر الله موسى فقال : أرسل رجالا يتحسسون إلى أرض كنعان التي وهبت لبني إسرائيل من كل سبط رجلا . فأرسل موسى الرءوس كلهم الذين فيهم ، [ فبعث الله جل وعز من برية فاران بكلام الله ، وهم رءوس بني إسرائيل ] . وهذه أسماء الرهط الذين بعث الله جل ثناؤه من بني إسرائيل إلى أرض الشام ، فيما يذكر أهل التوراة ليجوسوها لبني إسرائيل من سبط روبيل : " شامون بن زكور " ومن سبط شمعون : " شافاط بن حرى " ومن سبط يهوذا : " كالب بن يوفنا ومن سبط [ ص: 115 ] أتين : " يجائل بن يوسف " ومن سبط يوسف : وهو سبط أفرائيم : " يوشع بن نون " ومن سبط بنيامين " فلط بن رفون " ومن سبط زبالون : " جدى بن سودى ومن سبط منشا بن يوسف : " جدى بن سوسا ومن سبط دان : " حملائل بن جمل " ومن سبط أشر : ساتور بن ملكيل " ومن [ ص: 116 ] سبط نفتالى : " نحى بن وفسى " ومن سبط جاد : " جولايل بن ميكى " .

فهذه أسماء الذين بعثهم موسى يتحسسون له الأرض ويومئذ سمى" هوشع بن نون " : " يوشع بن نون " فأرسلهم وقال لهم : ارتفعوا قبل الشمس ، فارقوا الجبل ، وانظروا ما في الأرض ، وما الشعب الذي يسكنون ، أقوياء هم أم ضعفاء ، أقليل هم أم كثير؟ وانظروا أرضهم التي يسكنون : أسمينة هي [ أم هزيلة ] ؟ أذات شجر أم لا؟ اجتازوا ، واحملوا إلينا من ثمرة تلك الأرض . وكان ذلك في أول ما أشجن بكر ثمرة العنب . [ ص: 117 ]

11576 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : "وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا" فهم من بني إسرائيل ، بعثهم موسى لينظروا له إلى المدينة . فانطلقوا فنظروا إلى المدينة ، فجاءوا بحبة من فاكهتهم وقر رجل ، فقالوا : [ ص: 118 ] اقدروا قوة قوم وبأسهم ، هذه فاكهتهم! فعند ذلك فتنوا فقالوا : لا نستطيع القتال ، ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) [ سورة المائدة : 24 ] .

11577 - حدثت عن الحسين بن الفرج المروزي قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول في قوله : "وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا" أمر الله بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم ، فلما كانوا قريبا من المدينة قال لهم موسى : ادخلوها ! فأبوا وجبنوا ، وبعثوا اثني عشر نقيبا لينظروا إليهم ، فانطلقوا فنظروا ، فجاءوا بحبة من فاكهتهم بوقر الرجل ، فقالوا : اقدروا قوة قوم وبأسهم ، هذه فاكهتهم!! فعند ذلك قالوا لموسى : ( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث