الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة "

القول في تأويل قوله عز ذكره ( وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وقال الله لبني إسرائيل : "إني معكم" ، يقول : إني ناصركم على عدوكم وعدوي الذين أمرتكم بقتالهم ، إن قاتلتموهم ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم .

وفي الكلام محذوف ، استغني بما ظهر من الكلام عما حذف منه . وذلك أن معنى الكلام : وقال الله لهم إني معكم فترك ذكر "لهم" ، استغناء بقوله : "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل" ، إذ كان متقدم الخبر عن قوم مسمين بأعيانهم ، فكان معلوما أن ما في سياق الكلام من الخبر عنهم ، إذ لم يكن الكلام مصروفا عنهم إلى غيرهم .

ثم ابتدأ ربنا جل ثناؤه القسم فقال : قسما لئن أقمتم ، معشر بني إسرائيل ، الصلاة "وآتيتم الزكاة" ، أي : أعطيتموها من أمرتكم بإعطائها "وآمنتم برسلي" يقول : وصدقتم بما أتاكم به رسلي من شرائع ديني . [ ص: 119 ]

وكان الربيع بن أنس يقول : هذا خطاب من الله للنقباء الاثني عشر .

11578 - حدثت عن عمار بن الحسن قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : أن موسى صلى الله عليه وسلم قال للنقباء الاثني عشر : سيروا إليهم يعني : إلى الجبارين فحدثوني حديثهم ، وما أمرهم ، ولا تخافوا إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا .

قال أبو جعفر : وليس الذي قاله الربيع في ذلك ببعيد من الصواب ، غير أن من قضاء الله في جميع خلقه أنه ناصر من أطاعه ، وولي من اتبع أمره وتجنب معصيته وتحامى ذنوبه . فإذ كان ذلك كذلك ، وكان من طاعته إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، والإيمان بالرسل ، وسائر ما ندب القوم إليه كان معلوما أن تكفير السيئات بذلك وإدخال الجنات به . لم يخصص به النقباء دون سائر بني إسرائيل غيرهم . فكان ذلك بأن يكون ندبا للقوم جميعا ، وحضا لهم على ما حضهم عليه أحق وأولى من أن يكون ندبا لبعض وحضا لخاص دون عام .

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : "وعزرتموهم" .

فقال بعضهم : تأويل ذلك : ونصرتموهم .

ذكر من قال ذلك :

11579 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : "وعزرتموهم" قال : نصرتموهم . [ ص: 120 ]

11580 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

11581 - حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : "وعزرتموهم" قال : نصرتموهم بالسيف .

وقال آخرون : هو الطاعة والنصرة .

ذكر من قال ذلك :

11582 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول في قوله : "وعزرتموهم" قال : "التعزيز" و"التوقير" ، الطاعة والنصرة .

واختلف أهل العربية في تأويله .

فذكر عن يونس [ الحرمري ] أنه كان يقول : تأويل ذلك : أثنيتم عليهم .

11583 - حدثت بذلك عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عنه .

وكان أبو عبيدة يقول : معنى ذلك نصرتموهم ، وأعنتموهم ، ووقرتموهم وعظمتموهم ، وأيدتموهم ، وأنشد في ذلك :


وكم من ماجد لهم كريم ومن ليث يعزر في الندي



[ ص: 121 ] وكان الفراء يقول : "العزر" الرد "عزرته" ، رددته : إذا رأيته يظلم فقلت : "اتق الله" أو نهيته ، فذلك "العزر" .

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال : "معنى ذلك : نصرتموهم" . وذلك أن الله جل ثناؤه قال في"سورة الفتح" : ( إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ) [ سورة الفتح : 8 ، 9 ] ف"التوقير" هو التعظيم . وإذ كان ذلك كذلك كان القول في ذلك إنما هو بعض ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه . وإذا فسد أن يكون معناه : التعظيم وكان النصر قد يكون باليد واللسان ، فأما باليد فالذب بها عنه بالسيف وغيره ، وأما باللسان فحسن الثناء ، والذب عن العرض صح أنه النصر ، إذ كان النصر يحوي معنى كل قائل قال فيه قولا مما حكينا عنه .

وأما قوله : "وأقرضتم الله قرضا حسنا" فإنه يقول : وأنفقتم في سبيل الله ، وذلك في جهاد عدوه وعدوكم "قرضا حسنا" يقول : وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله ، فأصبتم الحق في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك ، ولم تتعدوا فيه حدود الله وما ندبكم إليه وحثكم عليه إلى غيره .

فإن قال لنا قائل : وكيف قال : "وأقرضتم الله قرضا حسنا" ولم يقل : "إقراضا حسنا " ، وقد علمت أن مصدر "أقرضت" "الإقراض"؟

قيل : لو قيل ذلك كان صوابا ، ولكن قوله : "قرضا حسنا" أخرج [ ص: 122 ] مصدرا من معناه لا من لفظه . وذلك أن في قوله : "أقرض" معنى"قرض" ، كما في معنى"أعطى" "أخذ" . فكان معنى الكلام : وقرضتم الله قرضا حسنا ، ونظير ذلك : ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ) [ سورة نوح : 17 ] إذ كان في "أنبتكم" معنى : "فنبتم" ، وكما قال امرؤ القيس :


ورضت فذلت صعبة أي إذلال



إذ كان في"رضت" معنى"أذللت" ، فخرج"الإذلال" مصدرا من معناه لا من لفظه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث