الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر

فالحاصل أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر ، فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شفعه في الطلب ، بمعنى أنه صار شفعا فيه بعد أن كان وترا ، فهو أيضا قد شفع المشفوع إليه ، وبشفاعته صار فاعلا للمطلوب ، فقد شفع الطالب والمطلوب منه ، والله تعالى وتر ، لا يشفعه أحد ، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ، فالأمر كله إليه ، فلا شريك له بوجه . فسيد الشفعاء يوم القيامة إذا سجد [ ص: 301 ] وحمد الله تعالى فقال له الله : ارفع رأسك ، وقل يسمع ، واسأل تعطه ، واشفع تشفع ، فيحد له حدا فيدخلهم الجنة ، فالأمر كله لله . كما قال تعالى : قل إن الأمر كله لله ( آل عمران : 154 ) . وقال تعالى : ليس لك من الأمر شيء ( آل عمران : 128 ) . وقال تعالى : ألا له الخلق والأمر ( الأعراف : 54 ) ، فإذا كان لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن يشاء ، ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته ، كما قال صلى الله عليه وسلم : اشفعوا تؤجروا ، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء . وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا بني عبد مناف ، لا أملك لكم من الله شيئا ، يا صفية يا عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أملك لك من الله شيئا ، يا عباس عم رسول الله ، لا أملك لك من الله شيئا . وفي الصحيح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على [ ص: 302 ] رقبته بعير له رغاء ، أو شاة لها يعار ، أو رقاع تخفق ، فيقول : أغثني أغثني ، فأقول : قد أبلغتك ، لا أملك لك من الله من شيء .

فإذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء يقول لأخص الناس به : لا أملك لكم من الله من شيء فما الظن بغيره ؟ وإذا دعاه الداعي ، وشفع عنده الشفيع ، فسمع الدعاء ، وقبل الشفاعة ، لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق ، فإنه سبحانه وتعالى هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع ، وهو الخالق لأفعال العباد ، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها ، وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه ، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه . وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر ، وأن الله خالق كل شيء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث