الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم

جزء التالي صفحة
السابق

( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون

[ ص: 418 ] القبلة : الجهة التي يستقبلها الإنسان ، وهي من المقابلة . وقال قطرب : يقولون في كلامهم ليس له قبلة ، أي جهة يأوي إليها . وقال غيره : إذا تقابل رجلان ، فكل واحد منهما قبلة الآخر . وجاءت القبلة وإن أريد بها الجهة على وزن الهيئات ، كالقعدة والجلسة . الوسط : اسم لما بين الطرفين وصف به ، فأطلق على الخيار من الشيء ; لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل ، ولكونه اسما كان للواحد والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد . وقال حبيب : كانت هي الوسط المحمي ، فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا . ووسط الوادي : خير موضع فيه ، وأكثره كلأ وماء . ويقال : فلان من أوسط قومه ، وأنه لواسطة قومه ، ووسط قومه : أي من خيارهم ، وأهل الحسب فيهم . وقال زهير :


وهم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم



وقد وسط سطة ووساطة ، وقال :


وكن من الناس جميعا وسطا



وأما وسط - بسكون السين - فهو طرف المكان ، وله أحكام مذكورة في النحو . أضاع الرجل الشيء : أهمله ولم يحفظه ، والهمزة فيه للنقل من ضاع يضيع ضياعا ، وضاع المسك يضوع : فاح . الانقلاب : الانصراف والارتجاع ، وهو للمطاوعة ، قلبته فانقلب . عقب الرجل : معروف ، والعقب : النسل ، ويقال : عقب - بسكون القاف - . الرأفة والرحمة : متقاربان في المعنى . وقيل : الرأفة أشد الرحمة ، واسم الفاعل جاء للمبالغة على فعول كضروب ، وجاء على فعل كحذر ، وجاء على فعل كندس ، وجاء على فعل كصعب . التقلب : التردد ، وهو للمطاوعة ، قلبته فتقلب . الشطر : النصف ، والجزء من الشيء والجهة ، قال الشاعر :


ألا من مبلغ عني رسولا     وما تغني الرسالة شطر عمرو



أي نحوه ، وقال الشاعر :


أقول لأم زنباع أقيمي     صدور العيس شطر بني تميم



( وقال ) :


وقد أظلكم من شطر ثغركم     هول له ظلم يغشاكم قطعا



وقال ابن أحمر :


تعدو بنا شطر نجد وهي عاقدة     قد كارب العقد من إيقاده الحقبا



وقال آخر :


وأظعن بالقوم شطر الملوك



أي نحوهم ، وقال :


إن العشير بها داء مخامرها     وشطرها نظر العينين مسجور



ويقال : شطر عنه : بعد ، وشطر إليه : أقبل ، والشاطر من الشباب : البعيد من الجيران ، الغائب عن منزله . يقال : شطر شطورا ، والشطير : البعيد ، منزل شطير : أي بعيد . الحرام والحرم والحرم : الممتنع ، وقد تقدم [ ص: 419 ] الكلام في ذلك في قوله : ( وهو محرم عليكم إخراجهم ) الامتراء : افتعال من المرية ، وهي الشك . امترى في الشيء : شك فيه ، ومنه المراء . ماريته أي جادلته وشاككته فيما يدعيه . وافتعل : بمعنى تفاعل . تقول : تمارينا وامترينا فيه ، كقولك : تحاورنا واحتورنا . وجهة ، قال قوم ، منهم المازني والمبرد والفارسي : إن وجهة اسم للمكان المتوجه إليه ، فعلى هذا يكون إثبات الواو أصلا ، إذ هو اسم غير مصدر . قال سيبويه : ولو بنيت فعلة من الوعد لقلت وعدة ، ولو بنيت مصدرا لقلت عدة . وذهب قوم ، منهم المازني ، فيما نقل المهدوي إلى أنه مصدر ، وهو الذي يظهر من كلام سيبويه . قال ، بعد ما ذكر حذف الواو من المصادر ، وقد أ ثبتوا فقالوا : وجهة في الجهة ، فعلى هذا يكون إثبات الواو شاذا ، منبهة على الأصل المتروك في المصادر . والذي سوغ عندي إقرار الواو - وإن كان مصدرا - أنه مصدر ليس بجار على فعله ، إذ لا يحفظ وجه يجه ، فيكون المصدر جهة . قالوا : وعد يعد عدة ، إذ الموجب لحذف الواو من عدة هو الحمل على المضارع ; لأن حذفها في المضارع لعلة مفقودة في المصدر . ولما فقد يجه ، ولم يسمع ، لم يحذف من وجهة ، وإن كان مصدرا ; لأنه ليس مصدرا ليجه ، وإنما هو مصدر على حذف الزوائد ; لأن الفعل منه : توجه واتجه . فالمصدر الجاري هو التوجه والاتجاه ، وإطلاقه على المكان المتوجه إليه هو من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول .

الاستباق : افتعال من السبق ، وهو الوصول إلى الشيء أولا ، ويكون افتعل منه ، إما لموافقة المجرد ، فيكون معناه ومعنى سبق واحدا ، أو لموافقة تفاعل ، فيكون استبق وتسابق بمعنى واحد . الخيرات : جمع خيرة ، ويحتمل أن يكون بناء على فعلة ، أو بناء على فيعلة ، فحذف منه ، كالميتة واللينة . وقد تقدم القول في هذا الحذف ، قالوا : رجل خير ، وامرأة خيرة ، كما قالوا : رجل شر ، وامرأة شرة ، ولا يكونان إذ ذاك أفعل التفضيل . الجوع : القحط ، وأما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها : الغرث . يقال : غرث يغرث غرثا ، فهو غرث وغرثان ، قال :


مغرثة زرقا كأن عيونها     من الذمر والإيحاء نوار عضرس



وقد استعمل المحدثون في الغرث : الجوع اتساعا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث