الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 133 ] المسألة الثانية : قوله : { سكرا } : فيه خمسة أقوال :

الأول : تتخذون منه ما حرم الله ; قاله ابن عباس ، والحسن ، وغيرهما .

الثاني : أنه خمور الأعاجم ; قاله قتادة ، ويرجع إلى الأول .

الثالث : أنه الخل ; قاله الحسن أيضا .

الرابع : أنه الطعم الذي يعرف من ذلك كله ; قاله أبو عبيدة .

الخامس : أنه ما يسد الجوع ، مأخوذ من سكرت النهر ، إذا سددته .

المسألة الثالثة : الرزق الحسن : فيه ثلاثة أقوال :

الأول : أنه ما أحل الله ; قاله ابن عباس والحسن وغيرهما .

الثاني : أنه النبيذ والخل ; قاله قتادة .

الثالث : أنه الأول ، يقول : تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ، فجعل له اسمين ، وهو واحد .

المسألة الرابعة : أما هذه الأقاويل فأسدها قول ابن عباس : إن السكر الخمر ، والرزق الحسن ما أحله الله بعدها من هذه الثمرات .

ويخرج ذلك على أحد معنيين : إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر ، وإما أن يكون المعنى : أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ما حرم الله عليكم اعتداء منكم ، وما أحل الله لكم اتفاقا أو قصدا إلى منفعة أنفسكم .

والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر ; فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء ، وتحريم الخمر مدني . فإن قيل ، وهي : [ ص: 134 ]

المسألة الخامسة : إن المراد بقول : { تتخذون منه سكرا } ما يسكر من الأنبذة ، وخلا ، وهو الرزق الحسن . والدليل على هذا أن الله امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم ; فيكون ذلك دليلا على جواز ما دون المسكر من النبيذ ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز ; قاله أصحاب أبي حنيفة . وعضدوا رأيهم هذا من السنة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { حرم الله الخمر لعينها والسكر من غيرها } . وبما روي أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ينبذ له فيشربه ذلك اليوم ، فإذا كان في اليوم الثاني أو الثالث سقاه الخدم إذا تغير ، ولو كان حراما ما سقاه إياهم .

فالجواب أنا نقول : قد عارض علماؤنا هذه الأحاديث بمثلها ، فروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ما أسكر كثيره فقليله حرام } خرجه الدارقطني وجوده ، وثبت في الصحاح عن الأئمة أنه قال : { كل مسكر حرام } .

وروى الترمذي وغيره عن عائشة أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { كل مسكر حرام ، ما أسكر الفرق فملء الكف منه حرام } . وروي : { فالحسوة منه حرام } .

وقد ثبت تحريم الخمر باتفاق من الأئمة ، وقد روي عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن من الحنطة خمرا ، وإن من الشعير خمرا ، وإن من التمر خمرا ، وإن من الزبيب خمرا ، وإن من العسل خمرا } . خرجه الترمذي وغيره

. [ ص: 135 ] وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب أنه قال ذلك على المنبر ، فإن كان قاله عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو شرع متبع ، وإن كان أخبر به عن اللغة فهو حجة فيها ، لا سيما وهو نطق به على المنبر ما بين أظهر الصحابة ، فلم يقم من ينكر عليه .

جواب آخر : أما قولهم : إن الله امتن ، ولا يكون امتنانه وتعديده إلا بما أحل فصحيح ; بيد أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر ، ثم حرمت بعد . فإن قبل : كيف يحرم ما أحل الله ههنا ، وينسخ هذا الحكم ، وهو خبر ، والأخبار لا يدخلها النسخ .

قلنا : هذا كلام من لم يتحقق الشريعة ، وقد بينا حقيقته قبل ، وأوضحنا أن الخبر إذا كان عن الوجود الحقيقي فذلك الذي لا يدخله نسخ ، أو كان عن الفضل المعطى ثوابا فهو أيضا لا يدخله نسخ ; فأما إن كان خبرا عن حكم الشرع فالأحكام تتبدل وتنسخ جاءت بخبر أو بأمر ، ولا يرجع ذلك إلى تكذيب في الخبر أو الشرع الذي كان مخبرا عنه قد زال بغيره .

وإذا فهمتم هذا خرجتم عن الصنف الغبي الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله تعالى : { وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون } .

يعني أنهم جهلوا أن الرب يأمر بما يشاء ، ويكلف ما يشاء ، ويرفع من ذلك بعدله ما يشاء ، ويثبت ما يشاء ، وعنده أم الكتاب .

جواب ثالث : وأما ما عضدوه به من الأحاديث فالأول ضعيف ، والثاني في سقي النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي للخدم صحيح ، لكنه ما كان يسقيه للخدم ; لأنه مسكر ، وإنما كان يسقيه ; لأنه متغير الرائحة ، وكان صلى الله عليه وسلم أكره الخلق في خبيث الرائحة ، ولذلك تحيل عليه أزواجه في عسل زينب ، فإنهن قلن له : إنا نجد منك ريح مغافير يعني ريحا ننكره . وقد استوفينا الكلام في هذه المسألة مع أصحاب أبي حنيفة في كتب الخلاف أثرا ونظرا ، فلينظر هنالك إن شاء الله تعالى . [ ص: 136 ]

المسألة السادسة : قوله تعالى : { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا } : وإذا قيل : إن ثمرات الحبوب وغيرها تتخذ منه رزق حسن وسكر . قلنا : هذه الحبوب وسائر الثمرات وإن وقع الامتنان بها ، وكانت لها وجوه ينتفع منها ، فلا يقوم مقام النخل والعنب شيء ; لأن فيه الخل ، وهو أجل منفعة في العالم ، فإنه دواء وغذاء ، فلما لم يحل محل هاتين الثمرتين شيء خصا بالتنبيه عليهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث