الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا ضمان على الراعي إذا لم يتعد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد ، وإذا حبس الصانع الثوب على أجرته فتلف ضمنه ، وإن تلف الثوب بعد عمله خير المالك بين تضمينه إياه غير معمول ولا أجرة له وبين تضمينه إياه معمولا ويدفع إليه أجرته ، وإذا ضرب المستأجر الدابة بقدر العادة أو كبحها ، أو الرائض الدابة لم يضمن ما تلفت به ، وإن قال : أذنت لي في تفصيله قباء ، قال : بل قميصا ، فالقول قول الخياط ، نص عليه .

التالي السابق


( ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد ) بغير خلاف نعلمه إلا ما روي عن الشعبي فلو جاء بجلد شاة ، وقال : هذا جلد شاتك قبل قوله ، وعنه : لا ، والصحيح الأول ; لأنه مؤتمن على الحفظ أشبه المودع ، ولأنها عين قبضت بحكم الإجارة أشبهت العين المستأجرة ، واقتضى ذلك أن ما تلف بتعديه أنه ضامن له بغير خلاف ، وجواز إجارة الراعي ، وقصة شعيب مع موسى عليه السلام شاهدة بذلك ، فإذا عقد على معينة تعينت في الأصح فلا يبدلها ، ويبطل العقد فيما تلف منها ، وإن عقد على موصوف ذكر نوعه ، وكبره ، وصغره إلا أن تكون ثم قرينة أو عرف صارف إلى بعضها ، ولا يلزمه رعي سخالها ، فإن ذكر عددا تعين ، وإن أطلق لم يجز ، وقال القاضي : يصح ويحمل على العادة ( وإذا حبس الصانع الثوب على أجرته فتلف ضمنه ) لأنه لم يرهنه عنده ، ولا أذن له في إمساكه ، فلزمه الضمان كالغاصب ، وقال ابن حمدان : إن كان صبغه منه فله حبسه ، وإن كان من رب الثوب أو قد قصره احتمل وجهين ، وفي " المنثور " إن خاطه ، أو قصره ، وغزله فتلف بسرقة ، أو نار ، فمن مالكه ولا أجرة ; لأن الصنعة غير متميزة كقفيز [ ص: 112 ] من صبرة ، ويستثنى على الأول ما إذا أفلس مستأجره ثم جاء بائعه يطلبه ، فللصانع حبسه .

( وإن تلف الثوب بعد عمله خير المالك ) لأن الجناية على ماله ، فكانت الخيرة إليه دون غيره ( بين تضمينه إياه غير معمول ولا أجرة له ) لأن الأجرة إنما تجب بالتسليم ، ولم يوجد ( وبين تضمينه إياه معمولا ويدفع إليه أجرته ) لأنه لو لم يدفع إليه الأجرة لاجتمع على الأجير فوات الأجرة وضمان ما يقابلها ، ولأن المالك إذا ضمنه ذلك معمولا يكون في معنى تسليم ذلك معمولا ، فيجب أن يدفع إليه الأجرة لحصول التسليم الحكمي ، ويقدم قوله في صفة عمله ، ذكره ابن رزين ، ومثله تلف أجير مشترك ، ذكره القاضي وغيره ، وقال أبو الخطاب : تلزمه قيمته موضع تلفه ، وله أجرته إليه ، وكذا عمله غير صفة شرطه أي لا أجرة له في الزيادة لأنه غير مأمور بها ، وعليه ضمان نقص الغزل المنسوج فيها ، وفي " المغني " ، و " الشرح " له المسمى إن زاد الطول فقط ، ولم ينقص الأصل بها ، وإن زاد في العرض فوجهان ، والظاهر أنه لا أجرة له ، والفرق بأنه يمكن قطع الزائد في الطول ويبقى الثوب على ما أراد بخلاف العرض وإن نقصهما أو أحدهما فقيل : لا شيء له ويضمن كنقص الأصل ، وقيل : بحصته من المسمى ، وقيل : لا شيء له في نقص العرض بخلاف النقص في الطول ، فإن له حصته من المسمى .

فرع : إذا أخطأ قصار ، ودفع الثوب إلى غير مالكه ضمنه ، فإن قطعه قابضه غرم أرش قطعه كدراهم أنفقها ، ويرده مقطوعا على الأصح ، فإن [ ص: 113 ] تلف عنده ضمنه كما لو علم ، وعنه : لا لعجزه عن دفعه ( وإذا ضرب المستأجر الدابة بقدر العادة أو كبحها ) أي جذبها لتقف ، وفي " الشرح " يحثها به على السير لتلحق القافلة ، ويقال بالخاء المعجمة ( أو الرائض الدابة ) أي معلمها ( لم يضمن ما تلفت به ) لأنه تلف من فعل مستحق فلم يضمناه كما لو تلفت تحت الحمل ، وظاهره أنه يجب الضمان إذا زاد على العادة ، وصرح به في " الكافي " ; لأنه جناية على ملك الغير ، فوجب الضمان كالغاصب وقد اقتضى ذلك جواز ضرب المستأجر الدابة للاستصلاح ; لأنه عليه السلام نخس بعير جابر وضربه ، وكان أبو بكر ينخس بعيره بمحجنه ، فلو اكتراها وتركها في اصطبله فماتت فهدر وإن سقط عليها ضمنها .

تنبيه : العين المؤجرة أمانة في يد مستأجرها إن تلفت بغير تفريط لم يضمنها ، ولا فرق بين الإجارة الصحيحة والفاسدة ، فإذا انقضت المدة رفع يده عنها ، ولم يلزمه الرد ، أومأ إليه في رواية ابن منصور ; لأنه لو وجب ضمانها لوجب ردها كالعارية ، وحينئذ تبقى في يده أمانة كالوديعة ، وقيل : يجب ردها مع القدرة إن طلبت منه ، قطع القاضي به في " الخلاف " ، وقيل : مطلقا ، ويضمنه إن تلف مع إمكان رده كعارية ، ومؤنة الرد على مالكها في الأصح كمودع ، فلو شرط على مستأجر ضمانها لم يصح الشرط في الأصح ، وفي العقد وجهان ( وإن قال : أذنت لي في تفصيله قباء ، قال : بل قميصا ، فالقول قول الخياط ، نص عليه ) في رواية ابن منصور لأنهما اتفقا على الإذن ، واختلفا في صفته ، فكان القول قول المأذون له كالمضارب ، فعلى هذا يحلف الخياط ويسقط عنه الغرم [ ص: 114 ] ويستحق أجر المثل ، وقيل : يقبل قول ربه ، اختاره المؤلف ، لأنهما اختلفا في صفة الإذن ، فيقبل قوله فيها ; لأن الأصل عدم الإذن المختلف فيها ، فعليها يحلف أنه ما أذن في قطعه قباء ، ويغرم الأجير نقصه ، ولا أجرة له ، وعنه : يعمل بظاهر الحال كاختلاف الزوجين في متاع البيت ، وقيل : بالتحالف كالاختلاف في ثمن المبيع ، وحكم الصباغ إذا قال : أذنت في صبغه أحمر ، قال : بل أصفر كذلك .

تنبيه : إذا دفع إلى خياط ثوبا ، وقال : إن كان يقطع قميصا فاقطعه ، فقال : هو يقطع ، فقطعه ولم يكفه ، أو قال : انظر هل يكفيني قميصا ؛ فقال : نعم ، فقال : اقطعه ، فقطعه ولم يكفه ، ضمنه فيهما ، فإن قال : اقطعه قميص رجل ، فقطعه قميص امرأة غرم ما بين قيمته صحيحا ومقطوعا في الأصح ، وقيل : يغرم ما بين قيمتهما ، فإن أكراه ليلبسه لم ينم فيه ليلا ، ولا وقت القيلولة ، ولم يأتزر به ، فإن ارتدى به جاز في الأقيس .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث