الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية

قلت: وأما ثبوت حكم الكفر في الآخرة للأطفال، فكان أحمد يقف فيه، تارة يقف عن الجواب، وتارة يردهم إلى العلم، كقوله: « الله أعلم بما كانوا عاملين» .

وهذا أحسن جوابيه، كما، نقل محمد بن الحكم عنه، وسأله عن أولاد المشركين، فقال: أذهب إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « الله أعلم بما كانوا عاملين» . ونقل عنه (أبو طالب أن أبا عبد الله سئل عن أطفال المشركين. فقال: كان ابن عباس يقول: (فأبواه يهودانه وينصرانه) ، حتى سمع: « الله أعلم بما كانوا عاملين» . فترك قوله.

قال أحمد: (وهي صحاح، ومخرجها كلها صحاح. وكان الزهري يقول: من الحديث ما يحدث بها على وجوهها) .

وأما توقف أحمد في الجواب، (فنقل عنه علي بن سعيد أنه سأله عن قوله: فأبواه يهودانه وينصرانه. قال: الشأن في هذا، وقد اختلف الناس، ولم نقف منها على شيء أعرفه) .

وقال الخلال: (رأيت في كتاب لهارون المستملي، قال أبو عبد الله: إذا سأل الرجل عن أولاد المشركين مع آبائهم، فإنه أصل كل [ ص: 398 ] خصومة، ولا يسأل عنه إلا رجل الله أعلم به، قال: ونحن نمر هذه الأحاديث على ما جاءت، ونسكت، لا نقول شيئا) .

(قال المروزي: قال أبو عبد الله سأل بشر بن السري سفيان الثوري عن أطفال المشركين، فصاح به وقال: يا صبي، أنت تسأل عن هذا؟!) .

وكذلك نقل خطاب بن بشر، وحنبل أن عبد الرحمن بن الشافعي سأل أحمد عن هذا، فنهاه، ولم ينقل أحد قط عن أحمد أنه قال: هم في النار. ولكن طائفة من أتباعه، كالقاضي أبي يعلى وغيره، لما سمعوا جوابه بأنه قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ظنوا أن هذا من تمام حديث مروي « عن خديجة رضي الله عنها أنها سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أولادها من غيره، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: هم في النار. فقالت: بلا عمل؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» . فظن هؤلاء أن أحمد أجاب بحديث خديجة، وهذا غلط على أحمد. فإن حديث خديجة هذا حديث موضوع كذب لا يحتج بمثله أقل من صحب أحمد، فضلا عن الإمام أحمد. [ ص: 399 ]

وأحمد إنما اعتمد على الحديث الصحيح، حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة، وهو في الصحيحين « عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: فطرت الله التي فطر الناس عليها » .

وكذلك في الصحيح عن ابن عباس « عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سئل عن أطفال المشركين. فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .

وقد ذكر أحمد أن ابن عباس رجع إلى هذا، بعد أن كان يقول: هم مع آبائهم. فدل على أن هذا جواب من لا يقطع بأنهم مع آبائهم.

وأبو هريرة نفسه، الذي روى هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قد ثبت عنه ما رواه غير واحد، منهم عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره وغيره، من حديث عبد الرازق: أنبأ معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه عن أبي هريرة قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم أرسل إليهم رسولا: أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم يأتنا رسل؟ قال: وايم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما، ثم يرسل [ ص: 400 ] إليهم رسولا، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [سورة الإسراء : 15].

وروى هذا الأثر عن أبي هريرة: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره من رواية محمد بن الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر، ومن رواية القاسم، عن الحسين، عن أبي سفيان، عن معمر، وقال فيه: (والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا) فبين أبو هريرة أن الله لا يعذب أحدا حتى يبعث إليه رسولا، وأنه في الآخرة يمتحن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا.

وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد، عن أبي هريرة مرفوعا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-. وعن الأسود بن سريع أيضا، قال أحمد في المسند: حدثنا علي بن عبد الله ثنا معاذ بن هشام ثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع: أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قال: « أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما [ ص: 401 ] أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما» .

وبالإسناد عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة بمثل هذا الحديث، غير أنه قال في آخره: « فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها» .

وقد جاءت بذلك عدة آثار مرفوعة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعن الصحابة والتابعين، بأنه في الآخرة يمتحن أطفال المشركين وغيرهم ممن لم تبلغه الرسالة في الدنيا. وهذا تفسير قوله: « الله أعلم بما كانوا عاملين» .

وهذا هو الذي ذكره الأشعري في المقالات عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه يذهب إليه.

وهذا التفصيل يذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه. فإن من قطع لهم بالنار كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنة كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله. ثم إذا قيل: هم مع آبائهم، لزم تعذيب من لم يذنب، وانفتح باب الخوض في الأمر والنهي، [ ص: 402 ] والوعد والوعيد، والقدر والشرع، والمحبة والحكمة والرحمة. فلهذا كان أحمد يقول: هو أصل كل خصومة.

فأما جواب النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي أجاب به أحمد آخرا، وهو قوله « الله أعلم بما كانوا عاملين» ، فإنه فصل الخطاب في هذا الباب. وهذا العلم يظهر حكمه في الآخرة، والله تعالى أعلم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث