الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


المسألة الرابعة : قوله : { فيه شفاء للناس } : وقد روى الأئمة ، واللفظ للبخاري قال عروة عن عائشة : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الحلواء والعسل } .

وروي أيضا عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة نار } . وروي أيضا عن أبي سعيد الخدري أن { رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي يشتكي بطنه . فقال : اسقه عسلا . ثم أتاه الثانية ، فقال : اسقه عسلا . ثم أتاه [ ص: 138 ] الثالثة ، فقال : اسقه عسلا ثم أتاه ، فقال : فعلت ، فما زاده ذلك إلا استطلاقا . فقال : صدق الله ، وكذب بطن أخيك ، اسقه عسلا ، فسقاه فبرئ }

. وكان ابن عمر لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا حتى الدمل إذا خرج عليه طلاه بعسل ، فقيل له في ذلك ، فقال : أليس الله يقول : { فيه شفاء للناس }

. وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له : ألا نعالجك ، قال : ائتوني بماء سماء ، فإن الله يقول : { ونزلنا من السماء ماء مباركا } وأتوني بعسل ، فإن الله يقول : { فيه شفاء للناس } . وأتوني بزيت ، فإن الله يقول : { من شجرة مباركة } فجاءوه بذلك كله ، فخلطه جميعا ثم شربه فبرئ .

وقال مجاهد ، والحسن ، والضحاك : إن الهاء في قوله : " فيه " يعود على القرآن ، أي القرآن شفاء للناس . وهذا قول بعيد ، ما أراه يصح عنهم ; ولو صح نقلا لم يصح عقلا ; فإن مساق الكلام كله للعسل ، ليس للقرآن فيه ذكر ; وكيف يرجع ضمير في كلام إلى ما لم يجر له ذكر فيه ، وإن كان كله منه ؟ ولكنه إنما يراعى مساق الكلام ومنحى القول ، وقد حسم النبي في ذلك ذا الإشكال ، وأزاح وجه الاحتمال حين أمر الذي يشتكي بطنه بشرب العسل ، فلما أخبره بأن العسل لما سقاه إياه ما زاده إلا استطلاقا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بعود الشرب له ، وقال له : { صدق الله ، وكذب بطن أخيك } .

المسألة الخامسة : قوله تعالى : { فيه شفاء للناس } : اختلف في محمله ، فقالت طائفة : هو على العموم في كل حال ، ولكل أحد ، كما سقناه من رواية ابن عمر وعوف ، ومنهم من قال : إنه على العموم بالتدبير ; إذ يخلط الخل بالعسل ويطبخ ، فيأتي شرابا ينفع في كل حالة من كل داء .

[ ص: 139 ] وقد اتفق الأطباء عن بكرة أبيهم على مدح عموم منفعة السكنجبين في كل مرض . ومنهم من قال : إن ذلك على الخصوص ، وليس هذا بأول لفظ عام حمل على مقصد خاص ; فالقرآن مملوء منه ، ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام ; ألا ترى إلى قول الشاعر :

وتراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها

والمراد كل النفوس ; إذ لا تخلو نفس من ارتباط الحمام لها . والصحيح عندي أنه يجري على نية كل أحد ، فمن قويت نيته ، وصح يقينه ففعل فعل عوف وابن عمر وجده كذلك ، ومن ضعفت نيته وغلبته على الدين عادته أخذه مفهوما على قول الأطباء ، والكل من حكم الفعال لما يشاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث