الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 144 ] وممن توفي فيها من الأعيان :

إسحاق بن محمد أبو يعقوب النهرجوري

أحد مشايخ الصوفية ، صحب الجنيد بن محمد وغيره من أئمة القوم ، وجاور بمكة حتى مات بها .

ومن كلامه الحسن قوله : مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام ، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب .

الحسين بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان ، أبو عبد الله الضبي القاضي المحاملي

الفقيه الشافعي المحدث ، سمع الكثير ، وأدرك خلقا من أصحاب ابن عيينة نحوا من سبعين رجلا ، وروى عن جماعة من الأئمة ، وعنه الدارقطني وخلق ، وكان يحضر مجلسه نحو من عشرة آلاف ، وكان صدوقا دينا فقيها محدثا ، ولي قضاء الكوفة ستين سنة ، وأضيف إليه قضاء فارس وأعمالها ، ثم استعفى من ذلك كله ، ولزم منزله ، واقتصر على إسماع الحديث . وكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة عن خمس وتسعين سنة ، رحمه الله .

وقد تناظر هو وبعض الشيعة بحضرة بعض الأكابر ، فجعل الشيعي يذكر مواقف علي يوم بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين وشجاعته ، ثم قال للمحاملي : أتعرفها ؟ قال : نعم ، ولكن أتعرف أين كان الصديق يوم بدر ؟ كان [ ص: 145 ] مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش بمنزلة الرئيس الذي يحامى عنه كما يحامى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلي في مقام المبارزة ، ولو فرض أنه انهزم أو قتل ، لم يهزم الجيش بسببه ، فأفحم الشيعي . وقال له المحاملي : وقد قدمه الذين رووا لنا الصلاة والزكاة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث لا مال له ولا عبيد ولا عشيرة تمنعه وتحاجف عنه ، وإنما قدموه لعلمهم أنه خيرهم ، فأفحم أيضا .

علي بن محمد بن سهل أبو الحسن الصائغ

أحد العباد الزهاد أصحاب الكرامات . روي عن ممشاد الدينوري أنه شاهد أبا الحسن الصائغ يصلي في الصحراء في شدة الحر ، ونسر قد نشر جناحيه يظله من الحر .

قال ابن الأثير : وفيها توفي علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم صاحب المذهب المشهور ، وكان مولده سنة ستين ومائتين ، وهو من ولد أبي موسى الأشعري .

قلت : والصحيح أن الأشعري توفي سنة أربع وعشرين ، كما تقدم .

قال : وفيها توفي محمد بن يوسف بن النضر الهروي الفقيه الشافعي ، [ ص: 146 ] وكان مولده سنة تسع وعشرين ومائتين ، وأخذ عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي .

قلت : وقد توفي فيها أبو حامد بن بلال ، وزكريا بن أحمد البلخي ، وعبد الغافر بن سلامة الحافظ ، ومحمد بن رائق الأمير ، والشيخ أبو صالح مفلح الحنبلي ، واقف مسجد أبي صالح ظاهر باب شرقي من دمشق وكانت له كرامات وأحوال ومقامات .

وهذه ترجمة أبي صالح الدمشقي الذي ينسب إليه المسجد ظاهر باب شرقي بدمشق :

مفلح بن عبد الله أبو صالح المتعبد ، صحب الشيخ أبا بكر محمد بن سيد حمدويه الدمشقي ، وتأدب به ، وروى عنه الموحد بن إسحاق بن البري ، وأبو الحسن علي بن القجة قيم المسجد ، وأبو بكر بن داود الدينوري الدقي .

[ ص: 147 ] روى الحافظ ابن عساكر من طريق الدقي ، عن الشيخ أبي صالح قال : كنت أطوف بجبل اللكام ; أطلب الزهاد ، فمررت برجل وهو جالس على صخرة مطرقا ، فقلت له : ما تصنع هاهنا ؟ فقال : أنظر وأرعى . فقلت له : لا أرى بين يديك إلا الحجارة . فقال : أنظر خواطر قلبي ، وأرعى أوامر ربي ، وبحق الذي أظهرك علي إلا جزت عني . فقلت له : كلمني بشيء أنتفع به حتى أمضي . فقال لي : من لزم الباب أثبت في الخدم ، ومن أكثر ذكر الذنوب أكثر الندم ، ومن استغنى بالله أمن العدم . ثم تركني ومضى .

وعن الشيخ أبي صالح ، قال : مكثت ستة أو سبعة أيام لم آكل ولم أشرب ، ولحقني عطش عظيم ، فجئت النهر الذي وراء المسجد ، فجلست أنظر إلى الماء ، فتذكرت قوله تعالى : وكان عرشه على الماء [ هود : 7 ] فذهب عني العطش ، فمكثت تمام العشرة أيام .

وعنه قال : مكثت مرة أربعين يوما لم أشرب ماء ، فلقيني الشيخ أبو بكر محمد بن سيد حمدويه ، فأخذ بيدي وأدخلني منزله ، وجاءني بماء ، وقال لي : اشرب ، فشربت ، فأخذ فضلتي وذهب إلى امرأته ، وقال لها : اشربي فضل رجل قد مكث أربعين يوما لم يشرب الماء . قال أبو صالح : ولم يكن اطلع على ذلك مني أحد إلا الله عز وجل .

[ ص: 148 ] ومن كلام أبي صالح : الدنيا حرام على القلوب ، حلال على النفوس ; لأن كل شيء يحل لك أن تنظر إليه بعين رأسك ، فيحرم عليك أن تنظر إليه بعين قلبك .

وكان يقول : البدن لباس القلب ، والقلب لباس الفؤاد ، والفؤاد لباس الضمير ، والضمير لباس السر ، والسر لباس المعرفة .

ولأبي صالح مناقب كثيرة ، رحمه الله . وقد كانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث