الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 146 ] المسألة الثانية : قوله : { عبدا مملوكا لا يقدر على شيء } : إثبات في نكرة ، فليس يقتضي الشمول ، ولا يعطي العموم ; وإنما يفيد واحدا بهذه الصفة . ويجوز أن يكون العبد المملوك يقدر بأن يقدره مولاه ، فينقسم حال العبيد المماليك إلى قسمين :

أحدهما : ما يكون في أصل وضعه لا يقدر .

الثاني : أن يقدر بأن توضع له القدرة ، ويمكن من التصرف والمنفعة ، وبه قال مالك . وقال أبو حنيفة : لا يقدر وإن أقدر ولا يملك وإن ملك .

وللشافعي قولان . وتعلق أصحاب أبي حنيفة بأنه مملوك ، فلا يملك . أصله البهيمة قال أهل خراسان : وهذا الفقه صحيح ، وذلك أن المملوكية تنافي المالكية ; فإن المملوكية تقتضي الحجر والمنع ، والمالكية تقتضي الإذن والإطلاق ; فلما تناقضا لم يجتمعا . وقال علماؤنا : إن الحياة والآدمية علة الملك ، فهو آدمي حي ، فجاز أن يملك كالحر ، وإنما طرأ عليه الرق عقوبة ، فصار للسيد عليه حق الحجر ، وذمته خالية عن ذلك ، فإذا أذن له سيده وفك الحجر عنه رجع إلى أصله في المالكية بعلة الحياة والآدمية وبقاء ذمته خالية عن ذلك كله .

والذي يدل على صحة هذا قوله صلى الله عليه وسلم : { من باع عبدا وله مال فماله للبائع ، إلا أن يشترطه المبتاع } ، فأضاف المال إلى العبد ، وملكه إياه ، وجعله في البيع تبعا له .

[ ص: 147 ] فإن قيل : هذه إضافة محل ، كما يقال سرج الدابة وباب الدار ، فيضاف ذلك إليها ، إضافة محل لا إضافة تمليك . قلنا : إنما كانت هذه إضافة محل ; لأن الدابة والدار لا يصح منهما الملك ولا يصح لهما التمليك ; بخلاف العبد ، فإنه آدمي حي ، فصح أن يملك ويملك ، وجاز أن يقدر ويقدر .

والدليل القاطع لرأيهم المفسد لكلامهم أنه إذا أذن له سيده في النكاح جاز ، فنقول : من ملك الأبضاع ملك المتاع كالحر ، وهذا لأن البضع أشرف من المال ، فإذا ملك البضع بالإذن فأولى وأحرى أن يملك المال الذي هو دونه في الحرمة بالإذن .

فإن قيل : إنما جاز له النكاح ضرورة ; لأنه آدمي يشتهي طبعا ; فلو منعناه استيفاء شهوته الجبلية لأضررنا به ، ولو سلطناه على اقتضائها بصفة البهائم ، لعطلنا التكليف ; فدعت الضرورة إلى الإذن في النكاح له ; إذ لا يصح الانتفاع بالبضع على ملك الغير ، بخلاف المال ، فإنه يستباح على ملك الغير بالأكل واللباس والركوب ، ويكفي فيه مجرد الإذن والإباحة دون التمليك ، وهذه عمدتهم . وقد أجاب عنها علماؤنا بأجوبة كثيرة ; عمدتها أن الضرورة لا تبيح الفروج ، وإنما إباحتها في الأصل طلبا للنسل بتكثير الخلق ، وتنفيذا للوعد ; فبهذه الحكمة وضعت إباحتها ، وشرع النكاح لاستبقائها .

فقولهم : إنها أبيحت ضرورة غلط . وقد أجابوا عنه بأن النكاح لو كان مباحا له بالضرورة لتقدر بقدر الضرورة ، فلا يجوز له إلا نكاح واحدة . فإن قلتم : إنها ربما لا تعصمه ، فكان من حقكم أن تبلغوه إلى أربع ، كما قال علماؤنا ، فلما لم يفعلوا ذلك استدللنا به على أن هذا الحكم إنما جرى على مقتضى الدليل ، لا بحكم الضرورة . وأما قولهم : إن المملوكية تناقض المالكية على ما بسطوه ، فلا يلزم ; لأنها إنما تناقضها إذا تقابلتا بالبداءة . فأما إذ كان الحجر طارئا بالرق ، وكان الأصل بالحياة [ ص: 148 ] والآدمية الإطلاق ، فلا بأس أن يرفع المالك للحجر حكمه بالإذن ، كما يرتفع في النكاح . ولا جواب لهم عن هذا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث