الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب العزلة والمخالطة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 151 ] كتاب العزلة والمخالطة

اعلم أن من السلف من آثر العزلة لفوائدها كالمواظبة على العبادة والفكر وتربية العلم ، والتخلص من ارتكاب المناهي التي يتعرض الإنسان لها بالمخالطة كالرياء والغيبة والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومسارقة الطبع الأخلاق الرديئة والأعمال الخبيثة من جلساء السوء إلى غير ذلك .

وأما أكثر السلف فذهبوا إلى استحباب المخالطة واستكثار المعارف والإخوان والتآلف والتحبب إلى المؤمنين والاستعانة بهم في الدين تعاونا على البر والتقوى ، وإن فوائد العزلة المتقدمة يمكن نيلها من المخالطة بالمجاهدة ومغالبة النفس . وبالجملة فللمخالطة فوائد عظيمة تفوت بالعزلة .

فإن قلت : ما هي فوائد المخالطة والدواعي إليها ؟ فاعلم : أنها هي التعليم والتعلم ، والنفع والانتفاع ، والتأديب والتأدب ، والاستئناس والإيناس ، ونيل الثواب وإنالته في القيام بالحقوق ، أو اعتياد التواضع ، أو استفادة التجارب من مشاهدة الأحوال والاعتبار بها .

فأما العلم والتعليم : فهما أعظم العبادات في الدنيا ولا يتصور ذلك إلا بالمخالطة ، والمحتاج إلى التعلم لما هو فرض عليه عاص بالعزلة ، ومن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع والعقل فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران ، ولهذا قال " النخعي " وغيره : " تفقه ثم اعتزل " ومن اعتزل قبل التعلم فهو في الأكثر مضيع أوقاته بنوم أو فكر في هوس ، وغايته أن يستغرق في الأوقات بأوراد يستوعبها ولا ينفك في أعماله بالبدن والقلب عن أنواع من الغرور ، ويكون في أكثر أحواله ضحكة للشيطان وهو يرى نفسه من العباد ، فالعلم هو أصل الدين ، ولا خير في عزلة العوام والجهال .

وأما التعليم : ففيه ثواب عظيم مهما صحت نية المعلم والمتعلم .

وأما الانتفاع بالناس : فبالكسب والمعاملة إذ لا يتأتى إلا بالمخالطة . ومن اكتسب من وجهه وتصدق منه كان أفضل من المعتزل المشتغل بالنافلة .

وأما النفع : فهو أن ينفع الناس إما بماله أو ببدنه ، فيقوم بحاجاتهم على سبيل الحسبة ، ففي النهوض بقضاء حوائج المسلمين ثواب ، وذلك لا ينال إلا بالمخالطة ، ومن قدر عليه مع القيام بحدود الشرع فهو أفضل له من العزلة .

وأما التأديب بنصح الغير والتأدب : ونعني به الارتياض بمقاساة الناس والمجاهدة في [ ص: 152 ] تحمل أذاهم كسرا للنفس وقهرا للشهوات فهي من الفوائد التي تستفاد بالمخالطة .

وأما الاستئناس والإيناس : فهو مستحب لأمر الدين وذلك فيمن يستأنس بمشاهدة أحواله وأقواله في الدين ، وقد يتعلق بحظ النفس . ويستحب إذا كان الغرض منه ترويح القلب لتهييج دواعي النشاط في العبادة ، فإن القلوب إذا كربت عميت ، والنفس لا تألف الحق على الدوام ما لم تروح ، وفي تكليفها الملازمة داعية للفترة ، وقد قال " ابن عباس " : " لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس " فلا يستغني المعتزل إذن عن رفيق يستأنس بمشاهدته ومحادثته في اليوم والليلة ساعة ، فليجتهد في طلب من لا يفسد عليه في ساعته تلك سائر ساعاته ، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " . وليحرص أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين والقصور عن الثبات على الحق ، ففي ذلك متروح للنفس وفيه مجال رحب لكل مشغول بإصلاح نفسه .

وأما نيل الثواب : فبحضور الجنائز وعيادة المرضى ، وحضور الجماعة في سائر الصلوات أيضا ، لا رخصة في تركه إلا لخوف ضرر ظاهر يقاوم ما يفوت من فضيلة الجماعة ويزيد عليه ، وذلك لا يتفق إلا نادرا . وكذلك في حضور الإملاكات والدعوات ثواب من حيث إنه إدخال سرور على قلب مسلم .

وأما إنالة الثواب : فهو أن يأذن بعيادته وتعزيته في المصائب وتهنئته على النعم فإنهم ينالون بذلك ثوابا . فينبغي أن يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها التي ذكرناها وعند ذلك قد ترجح العزلة وقد ترجح المخالطة .

وأما التواضع : فإنه من أفضل المقامات ولا يقدر عليه في الوحدة ، وقد يكون الكبر سببا في اختيار العزلة ، أو مخافة أن لا يوقر في المحافل أو لا يقدم ، أو يرى الترفع عن مخالطتهم أرفع لمحله وأبقى على اعتقاد الناس في تعبده وزهده ، وعلامة هؤلاء أنهم يحبون أن يزاروا ولا يحبون أن يزوروا ، ويفرحون بتقرب العوام والأمراء إليهم ، ولو كان الاشتغال بنفسه هو الذي يبغض إليه المخالطة وزيارة الناس لبغض إليه زياراتهم له ، ولكن اعتزاله سببه شدة اشتغاله بالناس لأن قلبه متجرد للالتفات إلى نظرهم إليه بعين الوقار والاحترام . والعزلة بهذا السبب جهل من وجوه :

أحدهما : أن التواضع والمخالطة لا تنقص عن منصب من هو متكبر بعلمه أو دينه .

الثاني : أن الذي شغل نفسه بطلب رضاء الناس عنه وتحسين اعتقادهم فيه مغرور ؛ لأنه لو عرف الله حق المعرفة علم أن الخلق لا يغنون عنه من الله شيئا وأن ضرره ونفعه بيد الله ، بل رضاء الناس غاية لا تنال ، فرضاء الله أولى بالطلب ، ولذلك قال الشافعي ليونس بن عبد الأعلى : " والله ما أقول لك إلا نصحا ، إنه ليس إلى السلامة من الناس من سبيل فانظر ماذا [ ص: 153 ] يصلحك فافعله " ، فإذن من حبس نفسه في البيت لتحسن اعتقادات الناس فيه فهو في عناء حاضر في الدنيا ، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون . وبالجملة فلا تستحب العزلة إلا لمستغرق الأوقات في علم بحيث لو خالطه الناس لضاعت أوقاته أو كثرت آفاته .

وأما التجارب : فإنها تستفاد من المخالطة للخلق ومجاري أحوالهم ، والعقل الغريزي ليس كافيا في تفهم مصالح الدين والدنيا وإنما تفيدها التجربة والممارسة ، ولا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب ، فالصبي إذا اعتزل بقي غمرا جاهلا ، بل ينبغي أن يشتغل بالتعلم ويحصل له في مدة التعلم ما يحتاج إليه من التجارب ، ويحصل بقية التجارب بسماع الأحوال ، وبالجهل يحبط العمل الكثير ، وبالعلم يزكو العمل القليل ، ولولا ذلك ما فضل العلم على العمل . وقد قضى الشرع بتفضيل العالم على العابد حتى قال - صلى الله عليه وسلم - : " فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي " .

إذا عرفت ما تقدم من الفوائد والآفات يتبين لك الأفضل من المخالطة والعزلة ، وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث