الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          1516 مسألة :

                                                                                                                                                                                          ولا يحل البيع على أن تربحني للدينار درهما ، ولا على أني أربح معك فيه كذا وكذا درهما ، فإن وقع فهو مفسوخ أبدا .

                                                                                                                                                                                          فلو تعاقدا البيع دون هذا الشرط ، لكن أخبره البائع بأنه اشترى السلعة بكذا وكذا ، وأنه لا يربح معه فيها إلا كذا وكذا فقد وقع البيع صحيحا ، فإن وجده قد كذب فيما قال لم يضر ذلك البيع شيئا ، ولا رجوع له بشيء أصلا ، إلا من عيب فيه ، أو غبن ظاهر كسائر البيوع ، والكاذب آثم في كذبه فقط .

                                                                                                                                                                                          برهان ذلك : أن البيع على أن تربحني كذا شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل والعقد به باطل وأيضا : فإنه بيع بثمن مجهول ، لأنهما إنما تعاقدا البيع على أنه [ ص: 500 ] يربح معه للدينار درهما ، فإن كان شراؤه دينارا غير ربع كان الشراء بذلك ، والربح درهما غير ربع درهم فهذا بيع الغرر الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والبيع بثمن لا يدري مقداره .

                                                                                                                                                                                          فإذا سلم البيع من هذا الشرط فقد وقع صحيحا كما أمر الله تعالى ، وكذبة البائع معصية لله تعالى ليست معقودا عليها البيع ، لكن كزناه لو زنى ، أو شربه لو شرب الخمر ولا فرق .

                                                                                                                                                                                          روينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كره بيع " ده دوازده " معناه أربحك للعشرة اثني عشر وهو بيع المرابحة

                                                                                                                                                                                          وروينا عن ابن عباس أنه قال : هو ربا .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق وكيع ، وعبد الرزاق ، قالا جميعا : أنا سفيان الثوري عن عمار الدهني عن ابن أبي نعم عن ابن عمر أنه قال : بيع " ده دوازده " ربا .

                                                                                                                                                                                          وقال عكرمة : هو حرام وكرهه الحسن وكرهه مسروق وقال : بل أشتريه بكذا أو أبيعه بكذا .

                                                                                                                                                                                          وروينا عن ابن مسعود أنه أجازه إذا لم يأخذ للنفقة ربحا .

                                                                                                                                                                                          وأجازه ابن المسيب ، وشريح ، وقال ابن سيرين : لا بأس " ده دوازده " وتحسب النفقة على الثياب .

                                                                                                                                                                                          ولمن أجازه تطويل كثير فيمن ابتاع نسيئة ، وباع نقدا ، وفيمن اشترى في نفاق ، وباع في كساد ، وما يحسب كراء الشد والطي ، والصباغ ، والقصارة ، وما أطعم الحرفا ، وأجرة السمسار ، وإذا ادعى غلطا ، وإذا انكشف أنه كذب وكله رأي فاسد .

                                                                                                                                                                                          لكن نقول : من امتحن بالتجارة في بلد لا ابتياع فيه إلا هكذا فليقل : قام علي بكذا ، وبحسب نفقته عليه أو يقول : ابتعته بكذا ، ولا يحسب في ذلك نفقة ، ثم يقول : لكني لا أبيعه على شرائي ، تريد أخذه مني بيعا بكذا وكذا ، وإلا فدع فهذا بيع صحيح لا داخلة فيه .

                                                                                                                                                                                          وقد روينا من طريق ابن أبي شيبة نا جرير هو ابن عبد الحميد عن أبي سنان عن عبد الله بن الحارث قال { مر رجل بقوم فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثوب ، فقال له [ ص: 501 ] بعضهم بكم ابتعته ؟ فأجابه ، ثم قال : كذبت وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع فقال : يا رسول الله ابتعته بكذا وكذا بدون ما كان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : تصدق بالفضل } وهم يقولون : المرسل كالمسند ، وهذا مرسل قد خالفوه ; لأنه لم يرد بيعه ، ولا حط عنه شيئا من الربح .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية