الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مثال ثالث اللفظ بالقرآن

وكذلك مسألة اللفظ، فإنه لما كان السلف والأئمة متفقين على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقد علم المسلمون أن القرآن بلغه جبريل عن الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وبلغه محمد إلى الخلق، وأن الكلام إذا بلغه المبلغ عن قائله لم يخرج عن كونه كلام المبلغ عنه، بل هو كلام لمن قاله مبتدئا، لا كلام من بلغه عنه مؤديا. [ ص: 257 ]

فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وبلغ هذا الحديث عنه واحد بعد واحد حتى وصل إلينا كان من المعلوم أنا إذا سمعناه من المحدث به إنما سمعنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تكلم به بلفظه ومعناه، وإنما سمعناه من المبلغ عنه بفعله وصوته، ونفس الصوت الذي تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم لم نسمعه، وإنما سمعنا صوت المحدث عنه، والكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا كلام المحدث.

فمن قال: إن هذا الكلام ليس كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مفتريا، وكذلك من قال: إن هذا لم يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أحدثه في غيره، أو إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بلفظه وحروفه، بل كان ساكتا أو عاجزا عن التكلم بذلك، فعلم غيره ما في نفسه، فنظم هذه الألفاظ ليعبر بها عما في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، أو نحو هذا الكلام ـ فمن قال هذا كان مفتريا، ومن قال: إن هذا الصوت المسموع صوت النبي صلى الله عليه وسلم، كان مفتريا.

فإذا كان هذا معقولا في كلام المخلوق، فكلام الخالق أولى بإثبات ما يستحقه من صفات الكمال، وتنزيه الله أن تكون صفاته وأفعاله هي صفات العباد وأفعالهم، أو مثل صفات العباد وأفعالهم. [ ص: 258 ]

فالسلف والأئمة كانوا يعلمون أن هذا القرآن المنزل المسموع من القارئين كلام الله، كما قال تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [التوبة: 6] ، ليس هو كلاما لغيره، لا لفظه ولا معناه، ولكن بلغه عن الله جبريل، وبلغه محمد رسول الله عن جبريل، ولهذا أضافه الله إلى كل من الرسولين، لأنه بلغه وأداه، لا لأنه أحدث لا لفظه ولا معناه، إذ لو كان أحدهما هو الذي أحدث ذلك لم يصح إضافة الإحداث إلى الآخر، فقال تعالى: إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين [الحاقة: 40-43] فهذا محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال تعالى: إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين [المطففين: 19-21] فهذا جبريل عليه السلام.

وقد توعد الله تعالى من قال: إن هذا إلا قول البشر [المدثر: 25]، فمن قال: إن هذا القرآن قول البشر فقد كفر: وقال بقول الوحيد الذي أوعده الله سقر، ومن قال: إن شيئا منه قول البشر فقد قال ببعض قوله، ومن قال: إنه ليس بقول رسول كريم، وإنما هو قول شاعر أو مجنون أو مفتر، أو قال: هو قول شيطان نزل به عليه ونحو ذلك، فهو أيضا كافر ملعون. [ ص: 259 ]

وقد علم المسلمون الفرق بين أن يسمع كلام المتكلم منه أو من المبلغ عنه، وأن موسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة، وأنا نحن نسمع كلام الله من المبلغين عنه، وإذا كان الفرق ثابتا بين من سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم منه وبين من سمعه من الصاحب المبلغ عنه، فالفرق هنا أولى، لأن أفعال المخلوق وصفاته أشبه بأفعال المخلوق وصفاته من أفعاله وصفاته بأفعال الله وصفاته.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث