الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

سورة الدخان تسع وخمسون آية مكية

( بسم الله الرحمن الرحيم )

[ ص: 31 ] ( حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنه هو السميع العليم رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين كذلك وزوجناهم بحور عين يدعون فيها بكل فاكهة آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون فارتقب إنهم مرتقبون )

الدخان : معروف ، وقال أبو عبيدة : والدخان : الجدب . قال القتبي : سمي دخانا ليبس الأرض منه ، حتى يرتفع منها كالدخان ، وقياس جمعه في القلة : أدخنة ، وفي الكثرة : دخنان ، نحو غراب وأغربة وغربان . وشذوا في جمعه على فواعل فقالوا : دواخن ، كأنه جمع داخنة ، تقديرا ، كما شذوا في عثان قالوا : عواثن . رها البحر ، يرهو رهوا : سكن . يقال جاءت الخيل رهوا : أي ساكنة . قال الشاعر :


والخيل تمزع رهوا في أعنتها كالطير ينجو من الشرنوب ذي البرد

ويقال : افعل ذلك رهوا : أي ساكنا على هينتك . وقال ابن الأعرابي : رها في السير . قال القطامي في نعت الركاب :


يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة     ولا الصدور على الأعجاز تتكل

وقال الليث : عيش راه : وارع خافض . وقال غيره : الرهو والرهوة : المكان المرتفع والمنخفض يجتمع فيه الماء ، وهو من الأضداد ، والجمع : رها . والرهو : المرأة الواسعة الهن ، حكاه النضر بن شميل . والرهو : ضرب من الطير ، يقال هو الكركي . وقال أبو عبيدة : رها الرجل يرهو رهوا : فتح بين رجليه . المهل : دردي الزيت وعكره . عتله : ساقه بعنف ودفع وإهانة . والمعتل : الجافي الغليظ .

[ ص: 32 ] ( حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنه هو السميع العليم رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ) .

هذه السورة مكية ، قيل : إلا قوله : ( إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ) . ومناسبة هذه السورة أنه ذكر في أواخر ما قبلها : ( فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) ، فذكر يوما غير معين ، ولا موصوفا . فبين في أوائل هذه السورة ذلك اليوم ، بوصف وصفه فقال : ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) ، وأن العذاب يأتيهم من قبلك ، ويحل بهم من الجدب والقحط ، ويكون العذاب في الدنيا ، وإن كان العذاب في الآخرة ، فيكون يومهم الذي يوعدون يوم القيامة . والظاهر أن الكتاب المبين هو القرآن ، أقسم به تعالى . ويكون الضمير في أنزلناه عائدا عليه . قيل : ويجوز أن يراد به الكتب الإلهية المنزلة ، وأن يراد به اللوح المحفوظ ، وجواب القسم . وقال الزمخشري وغيره : قوله : ( إنا أنزلناه ) ، على أن الكتاب هو القرآن ، ويكون قد عظمه تعالى بالإقسام به . وقال ابن عطية : لا يحسن وقوع القسم عليه ، أي على إنا أنزلناه ، وهو اعتراض يتضمن تفخيم الكتاب ، ويكون الذي وقع عليه القسم ( إنا كنا منذرين ) . انتهى . قال قتادة ، وابن زيد ، والحسن : الليلة المباركة : ليلة القدر . وقالوا : كتب الله كلها إنما نزلت في رمضان ، التوراة في أوله ، والإنجيل في وسطه ، والزبور في نحو ذلك ، والقرآن في آخره ، في ليلة القدر ، ويعني ابتداء نزوله كان في ليلة القدر . وقيل : أنزل جملة ليلة القدر إلى البيت [ ص: 33 ] المعمور ، ومن هناك كان جبريل يتلقاه . وقال عكرمة وغيره : هي ليلة النصف من شعبان ، وقد أوردوا فيها أحاديث . وقال الحافظ أبو بكر بن العربي : لا يصح فيها شيء ، ولا في نسخ الآجال فيها .

إنا كنا منذرين : أي مخوفين . قال الزمخشري : فإن قلت : ( إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم ) ، ما موقع هاتين الجملتين ؟ قلت : هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان ، فسر بهما جواب القسم الذي هو قوله تعالى : ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) ، كأنه قيل : أنزلناه ، لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب . وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا ، لأن إنزال القرآن من الأمور المحكمة ، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم ، والمباركة : الكثيرة الخير ، لما ينتج الله فيها من الأمور التي تتعلق بها منافع العباد في دينهم ودنياهم ، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده ، لكفى به بركة . انتهى . وقرأ الحسن ، والأعرج ، والأعمش : يفرق ، بفتح الياء وضم الراء ، كل : بالنصب ، أي يفرق الله . وقرأ زيد بن علي ، فيما ذكر الزمخشري : نفرق بالنون ، كل بالنصب ، وفيما ذكر أبو علي الأهوازي : عينه بفتح الياء وكسر الراء ونصب " كل " ، ورفع حكيم ، على أنه الفاعل بـ يفرق . وقرأ الحسن وزائدة عن الأعمش بالتشديد مبنيا للمفعول ، أو معنى يفرق : يفصل من غيره ويخلص . ووصف أمر بحكيم ، أي أمر ذي حكمة ، وقد أبهم تعالى هذا الأمر .

وقال ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، ومجاهد : في ليلة القدر يفصل كل ما في العام المقبل من الأقدار والأرزاق والآجال وغير ذلك ، ويكتب ذلك إلى مثلها من العام المقبل . وقال هلال بن أساف : كان يقال : انتظر والقضاء في رمضان . وقال عكرمة : لفضل الملائكة في ليلة النصف من شعبان . وجوزوا في أمرا أن يكون مفعولا به بمنذرين لقوله : ( لينذر بأسا شديدا ) . أو على الاختصاص ، جعل كل أمر حكيم جزلا فخما ، بأن وصفه بالحكيم ، ثم زاده جزالة وفخامة نفسه بأن قال : أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا ، كائنا من لدنا ، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا ، كذا قال الزمخشري . وقال : وفي قراءة زيد بن علي : ( أمرا من عندنا ) ، على هو أمرا ، وهي نصب على الاختصاص ومقبولا له ، والعامل أنزلنا ، أو منذرين ، أو يفرق ، ومصدرا من معنى يفرق ، أي فرقا من عندنا ، أو من أمرنا محذوفا وحالا ، قيل : من كل ، والذي تلقيناه من أشياخنا أنه حال من أمر ، لأنه وصف بحكيم ، فحسنت الحال منه ، إلا أن فيه الحال من المضاف إليه ، وهو ليس في موضع رفع ولا نصب ، ولا يجوز . وقيل : من ضمير الفاعل في أنزلناه ، أي أمرني . وقيل : من ضمير المفعول في أنزلناه ، أي في حال كونه أمرا من عندنا بما يجب أن يفعل . والظاهر أن من عندنا صفة لأمرا ، وقيل : يتعلق بـ يفرق .

( إنا كنا مرسلين ) : لما ذكر إنزال القرآن ، ذكر المرسل ، أي مرسلين الأنبياء بالكتب للعباد . فالجملة المؤكدة مستأنفة . وقيل : يجوز أن يكون بدلا من ( إنا كنا منذرين ) . وجوزوا في " رحمة " أن يكون مصدرا ، أي رحمنا رحمة ، وأن يكون مفعولا له بـ أنزلناه ، أو لـ يفرق ، أو لـ أمرا من عندنا . وأن يكون مفعولا بـ مرسلين ، والرحمة توصف بالإرسال ، كما وصفت به في قوله : ( وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) . والمعنى على هذا : أنا نفصل في هذه الليلة كل أمر ، أو تصدر الأوامر من عندنا ، لأن من عادتنا أن نرسل رحمتنا . وقرأ زيد بن علي ، والحسن : رحمة ، بالرفع : أي تلك رحمة من ربك ، التفاتا من مضمر إلى ظاهر ، إذ لو روعي ما قبله ، لكان رحمة منا ، لكنه وضع الظاهر موضع المضمر ، إيذانا بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين . وقرأ ابن محيصن ، والأعمش ، وأبو حيوة ، والكوفيون : ( رب السماوات ) ، بالخفض بدلا من ربك ، وباقي السبعة ، والأعرج ، وابن أبي إسحاق ، وأبو جعفر ، وشيبة : بالرفع على القطع ، أي هو رب . وقرأ الجمهور : ( ربكم ورب ) ، برفعهما ، وابن أبي إسحاق ، وابن محيصن ، وأبو حيوة ، والزعفراني ، وابن مقسم ، والحسن ، وأبو موسى عيسى بن سليمان وصالح الناقط ، [ ص: 34 ] كلاهما عن الكسائي : بالجر ، وأحمد بن جبير الأنطاكي : ربكم ورب ، بالنصب على المدح ، وهم يخالفون بين الإعراب الرفع والنصب إذا طالت النعوت . وقوله : ( إن كنتم موقنين ) ، تحريك لهم بأنكم تقرون بأنه تعالى خالق العالم ، وأنه أنزل الكتب ، وأرسل الرسل رحمة منه ، وأن ذلك منكم من غير علم وإيقان . ولذلك جاء : ( بل هم في شك يلعبون ) ، أي في شك لا يزالون فيه يلعبون . فإقرارهم ليس عن حد ولا تيقن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث