الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ومن الذين هادوا سماعون للكذب "

[ ص: 309 ] القول في تأويل قوله عز وجل ( ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك )

قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا أيها الرسول لا يحزنك تسرع من تسرع من هؤلاء المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم تصديقك ، وهم معتقدون تكذيبك إلى الكفر بك ، ولا تسرع اليهود إلى جحود نبوتك . ثم وصف جل وعز صفتهم ،

ونعتهم له بنعوتهم الذميمة وأفعالهم الرديئة ، وأخبره معزيا له على ما يناله من الحزن بتكذيبهم إياه ، مع علمهم بصدقه ، أنهم أهل استحلال الحرام والمآكل الرديئة والمطاعم الدنيئة من الرشى والسحت ، وأنهم أهل إفك وكذب على الله ، وتحريف لكتابه . ثم أعلمه أنه محل بهم خزيه في عاجل الدنيا ، وعقابه في آجل الآخرة . فقال : هم"سماعون للكذب " ، يعني هؤلاء المنافقين من اليهود ، يقول : هم يسمعون الكذب ، و"سمعهم الكذب " ، سمعهم قول أحبارهم : أن حكم الزاني المحصن في التوراة التحميم والجلد"سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " ، يقول : يسمعون لأهل الزاني الذين أرادوا الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم القوم الآخرون الذين لم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا مصرين على أن يأتوه ، كما قال مجاهد : -

11927 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج عن ابن جريج ، قال مجاهد : " سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " ، مع من أتوك . [ ص: 310 ]

واختلف أهل التأويل في"السماعين للكذب السماعين لقوم آخرين" .

فقال بعضهم : "سماعون لقوم آخرين " ، يهود فدك . و"القوم الآخرون " الذين لم يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يهود المدينة .

ذكر من قال ذلك :

11928 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة قال ، حدثنا زكريا ومجالد ، عن الشعبي ، عن جابر في قوله : " ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين " ، قال : يهود المدينة " لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه " ، قال : يهود فدك ، يقولون ليهود المدينة : "إن أوتيتم هذا فخذوه" .

وقال آخرون : المعني بذلك قوم من اليهود ، كان أهل المرأة التي بغت ، بعثوا بهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم فيها . والباعثون بهم هم"القوم الآخرون " ، وهم أهل المرأة الفاجرة ، لم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ذكر من قال ذلك :

11929 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون " ، فإن بني إسرائيل أنزل الله عليهم : "إذا زنى منكم أحد فارجموه " ، فلم يزالوا بذلك حتى زنى رجل من خيارهم ، فلما اجتمعت بنو إسرائيل يرجمونه ، قام الخيار والأشراف فمنعوه . ثم زنى رجل من الضعفاء ، [ ص: 311 ] فاجتمعوا ليرجموه ، فاجتمعت الضعفاء فقالوا : لا ترجموه حتى تأتوا بصاحبكم فترجمونهما جميعا! فقالت بنو إسرائيل : إن هذا الأمر قد اشتد علينا ، فتعالوا فلنصلحه! فتركوا الرجم ، وجعلوا مكانه أربعين جلدة بحبل مقير ، ويحملونه على حمار ووجهه إلى ذنبه ، ويسودون وجهه ، ويطوفون به . فكانوا يفعلون ذلك حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة ، فزنت امرأة من أشراف اليهود يقال لها : " بسرة " ، فبعث أبوها ناسا من أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : سلوه عن الزنا وما نزل إليه فيه ، فإنا نخاف أن يفضحنا ويخبرنا بما صنعنا ، فإن أعطاكم الجلد فخذوه ، وإن أمركم بالرجم فاحذروه! فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه ، فقال : الرجم! فأنزل الله عز وجل : " ومن الذين هادوا سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه " ، حين حرفوا الرجم فجعلوه جلدا .

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، قول من قال : إن"السماعين للكذب " ، هم"السماعون لقوم آخرين" .

وقد يجوز أن يكون أولئك كانوا من يهود المدينة ، والمسموع لهم من يهود فدك ويجوز أن يكون كانوا من غيرهم . غير أنه أي ذلك كان ، فهو من صفة قوم من يهود ، سمعوا الكذب على الله في حكم المرأة التي كانت بغت فيهم وهي محصنة ، وأن حكمها في التوراة التحميم والجلد ، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم اللازم لها ، وسمعوا ما يقول فيها قوم المرأة الفاجرة قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتكمين إليه فيها . وإنما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك [ ص: 312 ] لهم ، ليعلموا أهل المرأة الفاجرة ما يكون من جوابه لهم . فإن لم يكن من حكمه الرجم رضوا به حكما فيهم . وإن كان من حكمه الرجم ، حذروه وتركوا الرضى به وبحكمه .

وبنحو الذي قلنا كان ابن زيد يقول .

11930 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين " ، قال : لقوم آخرين لم يأتوه من أهل الكتاب ، هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لم يأتوه ، يقولون لهم الكذب : " محمد كاذب ، وليس هذا في التوراة ، فلا تؤمنوا به" .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث