الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الباب الثالث : في الشروط الباطنة من أعمال القلب .

ولنذكر في هذا الباب ارتباط الصلاة بالخشوع وحضور القلب .

ثم نذكر المعاني الباطنة ، وحدودها وأسبابها ، وعلاجها .

ثم لنذكر تفصيل ما ينبغي أن يحضر في كل ركن من أركان الصلاة لتكون صالحة لزاد الآخرة .

بيان اشتراط الخشوع وحضور القلب .

اعلم أن أدلة ذلك كثيرة ، فمن ذلك قوله تعالى : وأقم الصلاة لذكري وظاهر الأمر الوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيما للصلاة لذكره وقوله تعالى ولا تكن من الغافلين نهي وظاهره التحريم وقوله عز وجل حتى تعلموا ما تقولون تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق الهم بالوسواس وأفكار الدنيا .

التالي السابق


(الباب الثالث في الشروط الباطنة من أعمال القلب)

التي تتوقف الصلاة عليها، (ولنذكر في هذا الباب ارتباط الصلاة بالخشوع وحضور القلب) ، والظاهر من سياقه: أن الخشوع غير حضور القلب، ومنهم من جعلهما مترادفين كما سيأتي تحقيقه، (ثم لنذكر المعاني الباطنة، وحدودها وأسبابها، وعلاجها، ثم لنذكر تفصيل ما ينبغي أن يحضر في كل ركن من أركان الصلاة) ، على الترتيب من أول الصلاة إلى آخرها، (لتكون صالحة لزاد الآخرة) ، أي: تصلح أن يتزود بها مريد الآخرة في سفره إلى الله تعالى .

(بيان اشتراط الخشوع وحضور القلب)

اعلم أن الاشتراط هو جعل الشيء شرطا، والشرط هو تعليق شيء بشيء بحيث إذا وجد الأول وجد الثاني، واختلفوا في الخشوع، فأكثر العلماء جعلوه من سنن الصلاة، وعليه مشي الرافعي والنووي وغالب الأصحاب، وجعله أبو طالب المكي وغيره من العارفين شرطا في الصلاة، ووافقهم المصنف على ذلك كما هو صريح سياقه في هذا الكتاب، وهذا القدر قد فهموه من الكتاب والسنة فرجحوا اشتراطه فيها، ثم اختلفوا في الخشوع ماذا، فقال جماعة من السلف: الخشوع في الصلاة السكون فيها، وقال البغوي في شرح السنة: الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع فيه وفي البصر والصوت، وقال غيره: الخشوع الانقياد للحق، وقيل: هو الخوف الدائم في القلب، وقال أبو البقاء: هو الذل والتضاؤل والتواضع لله بالقلب والجوارح، فقد اختلفت عباراتهم فيه، ومن ذلك منشؤ اختلافهم هل هو من أعمال القلب، أو من أعمال الجوارح، وقد جزم غير واحد من الأئمة أنه من أعمال القلب، ففي شرح المهذب روى البيهقي بسنده عن علي قال: "الخشوع في القلب"، فإذا كان كذلك، فمعنى خشوعه حضوره بخشية، فيكون مع حضور القلب مترادفا. وقال الجلال السيوطي في الينبوع: اختلفوا في الخشوع، هل هو من أعمال القلب كالخوف؟ أو من أعمال الجوارح كالسكون؟ أو هو عبارة عن المجموع؟ وقال الرازي: الثالث أولى اهـ .

(اعلم أن أدلة ذلك) ، أي: اشتراط الخشوع في الصلاة (كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: وأقم الصلاة لذكري ) بإضافة الذكر إلى ياء المتكلم، وهي القراءة المشهورة، أي: لتذكرني فيها؛ لاشتمال الصلاة على الأذكار، أو لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لتذكرني خاصة لا تشوبه بذكر غيري، أو لتكون لي ذاكرا غير ناس، كذا في المدارك، (وظاهر الأمر) يقتضي (الوجوب) ، أي: يجب إقامة الصلاة، أي: إدامتها لذكر الله تعالى، ثم إن الأمر في الآية لموسى عليه السلام، فنبه نبينا -صلى الله عليه وسلم- بتلاوة هذه الآية أن هذا شرع لنا أيضا، (والغفلة) هي فقد الشعور عما حقه أن يشعر به، أو هي الذهول عن الشيء، أو هي سهو يعتري من قلة التحفظ والتيقظ، أو هي متابعة النفس على ما تشتهيه وبكل معانيها (تضاد الذكر) سواء كان قلبيا أو لسانيا، (فمن غفل في جميع صلاته) من أول التكبيرة إلى أن يسلم، (كيف يكون مقيما للصلاة لذكره) عز وجل، وهذا ظاهر، وقرأ ابن شهاب: "للذكرى" وهو مصدر بمعنى التذكر، والمعنى: إذا نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، كما ورد هكذا في الخبر، وحملوا الآية عليه، لكن لا يصلح أن يكون دليلا لما هو المصنف بصدده، وقال بعض أئمة اللغة: الذكرى كثرة الذكر، وهو أبلغ من الذكر، (وقوله تعالى) : واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ، ( ولا تكن من الغافلين ) هو (نهي) ؛لأن الله تعالى أمره بذكره [ ص: 111 ] مصحوبا بالتضرع والخوف والإسرار في طرفي النهار، ثم نهاه عن الغفلة عن هذا الذكر، (وظاهره) يقتضي (التحريم) ، أي: بأن الغفلة عن ذكر الله تعالى حرام، ولذا قال ابن مسعود : "ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل في الفارين"؛ فجعل الغافل عن ذكر الله مدبرا فارا، وهذه الآية نص في المراد، (وقوله عز وجل) : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ( حتى تعلموا ما تقولون ) ، قيل: سكارى من حب الدنيا، وقيل: من الاهتمام، فقوله: حتى تعلموا، (تعليل لنهي السكران) عن قربان حضرة الصلاة التي هي مناجاة، (وهو مطرد في الغافل) الساهي (المستغرق الهم بالوسواس) ، وفي نسخة: بالوساوس، (وأفكار الدنيا) الشاغلة، فإن مستغرق الهم كذلك بمنزلة السكران بجامع أن كلا منهما يصرف عن التيقظ فيما شأنه أن يتيقظ فيه، وقد استدل صاحب القوت بهذه الآيات الثلاثة على إثبات المطلوب، وتبعه المصنف فيما ذكره مع زيادة إيضاح وبيان، وزاد صاحب القوت فقال: وقال الله تعالى: الذين هم على صلاتهم دائمون ، قال: ومن الدوام في الصلاة السكون فيها، وقال أيضا: قيل: الدوام فيها الطمأنينة، ويقال: ماء دائم إذا كان ساكنا .

قلت: ومنه حديث النهي عن البول في الماء الدائم، وجاء في بعض رواياته زيادة الذي لا يجري، وهكذا هو شأن الساكن، وقال الله تعالى، وهو أصدق القائلين في صفات أوليائه المؤمنين: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ، فمدحهم بالصلاة كما ذكرهم بالإيمان، ثم مدح صلاتهم بالخشوع كما افتتح بالصلاة أوصافهم، ثم قال في آخرها: والذين هم على صلواتهم يحافظون ، فختم بها نعوتهم، وقال في نعت عباده المصلين الذين استثناهم من الجزوعين من المصائب والفقر، المنوعين للمال والخير: إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ثم نسق النعوت، وقال في آخرها: والذين هم على صلاتهم يحافظون ، فلولا أنها أحب الأعمال إليه ما جعلها مفتاح صفات أحبابه وختامها، ولما وصفهم بالدوام والمحافظة عليها، مدحهم بالخشوع فيها، والخشوع هو انكسار القلب وإخباته، وتواضعه، وذلته، ثم لين الجانب في كف الجوارح، وحسن سمت وإقبال، والمداومة والمواظبة عليها، وسكون القلب والجوارح فيها، والمحافظة: هو حضور القلب وإصغاؤه وصفاء الفهم، وإفراده في مراعاة الأوقات وإكمال طهارة الأدوات، ثم قال تعالى في عاقبة المصلين: أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس ، فجعل أول عطائهم الفلاح، وهو الظفر والبقاء، وآخره الفردوس، وهو خير المستقر والمأوى .




الخدمات العلمية